الاستعباد من رؤية قرانية

تجدد ظاهرة الاستعباد ( رؤية قرآنية).

د/ صلاح الدين عوض محمد إدريس- جامعة أم درمان الإسلامية- كلية أصول الدين- قسم التفسير وعلوم القرآن الكريم.

مقدمة:

يسلم بعض الأفراد عقولهم وإرادتهم للغير، ليتحكموا في عقائدهم وسلوكهم وتوجهاتهم، وكل ذلك عرف في التاريخ باسم الرق والاستعباد، وإن كان الرق بمظاهره وأشكاله القديمة قد انتهى إلا أنه ظهر بشكل جديد في ظل النظم الحديثة من دول ومجتمعات ومؤسسات المجتمع المدني بشكل أكثر تعقيداً وضراوة تؤدي إلى إلغاء الإرادة والعقل، وقد يصل الأمر إلى فساد الاعتقاد، وتردي الأخلاق، وموت الوجدان وذهاب الحياء.

ويعد استغلال النظام وقوة القانون، في ظل غياب روح التدين، هو السيد الذي يمكن صاحبه من استعباد الغير في دولته أو مؤسسته ؛ ذلك لأن الثروة والسلطة صارت محتكرة للدولة فيضطر بعض الأفراد الضعاف إلى الارتماء في أحضان الاستعباد.

فهذا البحث يحلل هذه الظاهرة من منطلق الرؤية القرآنية لها، ليعرفها ويوضح أسبابها،و ليكشف مدى انتشارها وتقلقلها في المجتمعات الحديثة، وإن اختلفت صورها وأشكالها من مجتمع إلى آخر حسب تطور النظم السياسية والاجتماعية.

ويوضح خطورتها على المعتقدات ونهضة الشعوب والأمم، وآثارها النفسية، ومساهمتها في انتشار الاستكبار والطغيان وقتل روح المبادرة والإبداع في نفوس الشعوب؛ مما يحولها إلى قطيع من الأغنام تتبع سيدها، وهمها أن يملأ بطونها ولا يحرمها من النعيم.

فعندما يعجز الشباب عن الزواج ومتطلباته إلاَّ إذا وجد طريقاً إلى سلفيات ومخصصات بنوك الدولة، وبعد ذلة وخضوع ومهانة، فإن هذا مظهرٌ من مظاهر الاستعباد يشبه ما يقوله الفقهاء من عدم جواز زواج العبد إلاَّ بإذن من سيده،فالشباب من الجنسين هم العبيد في هذه الحالة والسيد هم الساسة؛ وعندما تكون مؤسسات التشريع غير منتخبة انتخاباً حراً مباشراً ،وإنما تأتمر بأمر الساسة،فإن هذا يشبه مسألة عدم جواز قبول شهادة العبد، فالعبد هنا الغالبية الصامتة المغيبة من شرائح الشعب،فلا تشهد المشاركة في القرارات المصيرية الكبرى، وعندما يجني الساسة والتنفيذيون أو أحد أقاربهم على فرد من عامة الشعب فتميع القضية أو تستخدم الحصانة، فإن هذا يشبه قضية أن لا يطبق حد القصاص على الحر إذا كان المجني عليه عبداً والجاني حراً.

 وإذا وقعت حالات من الطلاق وانهارت البيوت على رؤوس زغب الحواصل؛ بسبب الفصل من الوظيفة والتضييق في الرزق، فإن هذا يشبه ما يقول به الفقهاء قديماً من أن السيد له الحق في تطليق العبد من زوجته؛ وهكذا يمكن تطبيق كل التفرعيات الفقهية التي قال بها الفقهاء في حق العبيد وسادتهم على هذه الظاهرة التي ظهرت في ثوب جديد، السيد فيها الساسة والعبيد فيها بعض شرائح الشعب.

إنه استعباد بصورة أعمق وأشمل وأخطر، لايهدر طاقة عبد واحد في بعض الأسر، كما هو قديماً، وإنما يهدر ويدمر طاقات وقدرات شعوباً بأكملها، كان يمكن أن تنتج وتبدع، لو انعتقت من هذا الاستعباد الحديث؛ فحال عبيد اليوم أشبه ما يكون بما قاله عنترة عندما طلب منه والده السيد أن يكر ويدفع الغارات عن قبيلته، فقال: العبد لا يحسن الكر، وإنما يحسن الحلب والصر، ولم يكر إلاَّ بعد قال له أبوه كر فأنت حر.

إن الذين يحصرون مظاهر الاستعباد في نظام الخادمات في الدول الغنية، أو عدم وجود التزاوج بين طبقات المجتمع على أساس عرقي، إنما يضيقون واسعاً؛فتلك أشكال من أشكال الرق القديم ما تزال موجودة، ولكنها أقل خطورة من استعباد النظم السياسية لشعوبها.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات إلى أن ملايين الأشخاص حول العالم يتم الاتجار بهم سنوياً بهدف استعبادهم جنسياً أو إجبارهم على العمل؛ وأن استمرار هذا الشكل من العبودية في القرن الحادي والعشرين وصمة عار.

فالحق إنهم خرجوا من دائرة استعباد أعنف- بسبب أنظمتهم السياسية- واضطروا إلى تبديل أسيادهم، فإنهم أشبه ما يكونون بالعبيد الآبقين؛فإن الأمم المتحدة نفسها تغض الطرف عن سلوك السيد الأول، وهي بسلوكها الحالي تساهم في استعباد الشعوب؛ لأنها وسيلة في يد النظم المتجبرة.

ويعد تاريخ الأديان صراع من أجل التغيير وتحرير الشعوب من كل عوامل الاستعباد، ابتداء من تحرير العقل من النفس وتحرير النفس من الشهوات والخضوع لغير الله، وتحرير الإرادة لتساهم الشعوب في إعمار الأرض تحت راية التوحيد.

ويقف الملأ في كل عصر ضد دعوات التغيير خوفاً على مصالحهم الاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية والجاه الذين يعيشون فيه، مستخدمين شتى الوسائل والأساليب للحفاظ على المكانة التي يوفرها لهم الاستعباد.

يقول علي شريعتي( … وما الفرق بين أن يكون الإنسان (( عبداً حديثاً)) أو أن يكون ((عبداً قديماً)) وبين أن تكون ((جارية حديثة)) أو (( جارية قديمة))؛ لا فرق إلا في الكلمات، فذلك يسمي الجارية ( ضعيفة) وذلك يسميها (( لطيفة))، والمعنى واحد، إنها ليست بشرا.

انزال الكتاب