الاسلام و تحديات افريقيا

بسم الله الرحمن الرحيم

رابطة العالم الإسلامي  – مكة المكرمة

منتدى النهضة والتواصل – الخرطوم –السودان

جامعة أم درمان الإسلامية

ندوة الإسلام وتحديات أفريقيا

الخرطوم – السودان

4-6/6/1434هـ – 14-16/4/2013م

المحور :

أفريقيا والتحديات

بحث بعنوان :

الهوية الأفريقية والثقافة الإسلامية

إعداد :

البروفيسور / محمد عثمان صالح

أستاذ كرسي الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان

المديرا لسابق لجامعة أم درمان الإسلامية

الأمين العام لهيئة علماء السودان

عضو مجمع الفقه الإسلامي بالسودان

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى :

﴿وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَااسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُلْجَة) رواه البخاري (رحمه الله)

 

 

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، رب السموات والأرض وما بينهما، خلق كل شيء وقدره تقديرا، خاطب الناس معلناً مساواتهم في الخلق وتمايزهم بالقيم فقال ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: ١٣]

والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على معلم الناس الخير محمد بن عبدالله الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة وترك الأمة على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.

أما بعد فنكرر الشكر والثناء على الله تعالى الذي جعلنا مسلمين وجمعنا هذا الجمع على الحق وفي سبيل انتصار دينه وانتشاره، ثم نشكر لرابطة العالم الإسلامي ولرائدها سماحة الدكتور / عبدالله بن عبدالمحسن التركي – الأمين العام للرابطة وللملكة العربية السعودية التي احتضنت الرابطة ويسرت لها سبل النجاح في أداء رسالتها، والشكر أيضاً للوفد الكريم وللعاملين بالرابطة .

ثم الشكر للإخوة في السودان حكومة وشعباً، ثم التحية والتهنئة للقائمين على منتدى النهضة والتواصل ولجامعة أم درمان الإسلامية على تكريمهم لسعادة الأمين العام للرابطة، وللحضور جميعاً التحية والشكر وفقنا الله جميعاً لعمل الخيرات وترك المنكرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

أهمية انعقاد مثل هذه الندوات :

إن هذه اللقاءات والمؤتمرات والندوات فيها خير كثير وبركة من الله تعالى لأنها تحيي القلوب، وتوثق العلاقة بين الأفراد والشعوب، وتجمع بين العلماء والدعاة وطلاب العلم وسائر المنتفعين بحضورها أو المشاركة فيها .

وأهمية موضوع الندوة لا يختلف عليه اثنان، فمعلوم أن قارتنا أفريقيا تتعرض لتحديات جمة ومشكلات متنوعة ويدور حولها صراع عجيب بين القوى الدولية المتربصة والطامعة في مساحتها الاستراتيجية وفي خيراتها الطبيعية، وفي هويتها الإقليمية لذا كان موضوع الندوة من الأهمية بمكان .

أهمية موضوع البحث :

كذلك فإن موضوع هذا البحث الذي يُعنى بالهوية الأفريقية والثقافة الإسلامية من أهم موضوعات محاور الندوة، حيث أن الجدل تجدد بعد الحقبة الاستعمارية عن الهوية الأفريقية وجرت وتجري جهود عظيمة لمحو عامل الثقافة الإسلامية في تكوين الهوية الأفريقية .

لكن هيهات فإن أفريقيا كانت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مفتحة الأبواب لدخول المسلمين ومعهم عقيدتهم وثقافتهم وعلى طول الساحل الغربي في بحر الفلزم (البحر الأحمر) كانت الوفود والقوافل متبادلة ويطل هذا الساحل على مهابط الوحي في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقول بعض كبار السن من أهل تلك السواحل الغربية متفاخرين “نحن في ظل الكعبة” كناية عن قربهم منها مقارنة بالشرق الأقصى والمغرب القصي !! .

الدراسات السابقة في الموضوع :

لأهمية هذا الموضوع نشطت الدراسات فيه من دوائر شتى أكاديمية ودعوية وثقافية واجتماعية حيث أن موضوع تحديد الهوية الأفريقية وتوصيفها يتناوله الباحثون من منطلقات شتى فمنهم من يريد أن يثبت التمازج بين الثقافة الأفريقية القديمة والثقافة الإسلامية دون تحيز ويمثل هذا التيار من عرفوا في السودان بجماعة الغابة والصحراء ومنهم شعراء وأدباء .

ومنهم من يريد هذا التمازج لكن بعد فرز يحفظ فيه بالجيد من الثقافة الأفريقية وإدماجه في الثقافة الإسلامية وهذا هو الاتجاه الوسطي الغالب لدى الدعاة الباحثين ومنهم الدكتور / علي المزروعي في كتابه أفريقيا والحضارة الإسلامية، وعدد من الباحثين في أعمال المؤتمر الدولي حول الإسلام في أفريقيا .

ومنهم من يريد تعميم الثقافة الإسلامية ويعتبر أن ما عداها ينبغي إلغاؤه أو استبداله لتظل الثقافة الإسلامية هي السائدة دون حشو، وهذا هو الاتجاه المتشدد الذي يقوده الإخوة الدعاة الراديكاليون وأفكار بعضهم منشورة في مجلة قراءات أفريقية وهي مجلة فصلية محكمة تصدر عن المنتدى الإسلامي، لكن هناك جملة من الكتابات الدعوية ضُمنت في كتب مؤتمر الإسلام في أفريقيا منها :

  1. انتشار الإسلام في شرق أفريقيا أفريقيا، محمود عبدالرحمن الشيخ – مؤتمر الإسلام في أفريقيا – الخرطوم 2006م، الكتاب الثالث عشر صـ 329.
  2. أزمة وتحديات الإسلام والمسلمين في أفريقيا بالقرن الحادي والعشرين، عبدالرحمن أحمد عثمان، مؤتمر الإسلام في أفريقيا – الخرطوم نوفمبر 2006م / الكتاب الثاني .
  3. وحدة الحضارة الإسلامية في أفريقيا، المؤتمر الدولي للإسلام في أفريقيا، الكتاب الثالث عشر /567 .
  4. التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية في قارة أفريقيا، أحمد محمد عبدالله، المؤتمر ا لدولي للإسلام في أفريقيا، الكتاب الثامن/ 257 .

وأخرى في مجلات مثل :

  1. أفريقيا الإسلامية، تجربة شرق أفريقيا – علي المزروعي .
  2. مسيرة إنتشار الإسلام في غرب أفريقيا، جعفر خلف الله شبو، مجلة جامعة أم درمان الإسلامية، العدد 22/226 الخرطوم 2012م .
  3. إيران في أفريقيا البحث عن موطئ قدم، محمد سليمان الزواوي، مجلة قراءات أفريقية العدد 15 مارس 2013م صـ 27، وأنظر افتتاحية ذات العدد .

اما التيار الأخير فهو ممثل في من يريدون إبعاد  الثقافة الإسلامية ليخلو الجو للثقافات الأفريقية القديمة أو الدفع للأمام بخطى الثقافة الغربية الوافدة التي فرضها الاستعمار على بعض المستعمرات السابقة، وهذا هو اتجاه من يتحدثون عن الافريقانية أو السودانوية من العلمانيين وهم موجودون في معظم البلاد الأفريقية التي سادت فيها الثقافة الإسلامية أو البلاد الأفريقية التي أُضعفت فيها الثقافة الإسلامية بل حوربت، وقاد هذا التيار ليوبولد سنفور وكوامي نكروما .

منهجي في هذا البحث :

أحاول أن استفيد من خبراتي وتجاربي في فهم هذا الموضوع ، كما أستلهم قراءاتي في المصادر والمراجع التي كُتبت بأقلام أفريقية أو بأقلام أجنبية من المستشرقين ودارسيهم والمنصرين وناقديهم .

والموضوع يحتاج إلى استخدام المنهج الاستقرائي والمنهج الصفي التحليلي مع إمكانية النقد والمقارنة .

ولا شك أن مهمة الباحث في مثل هذا الموضوع مهمة شاقة لتثبيت المراجع وتناولها لجزئيات مبعثرة في الموضوع .

إفتراضات البحث :

أفترض ان مفهوم الهوية الأفريقية يحتوي على مكونات تاريخية بعيدة الغور في الفكر والعقيدة والثقافة وأن من مكوناتها الفطرة السليمة والاحتكاك بالثقافة الإسلامية بخاصة والثقافات العالمية بعامة ولا سيما التيارات التغريبية التي عملت جاهدة لفرض اللغة والدين النصراني .

أفترض أيضاً أن هذه المكونات الأخيرة لم تمنع اندياح الثقافة الإسلامية وتمركزها في كثير من المناطق الأفريقية بل وسيادتها في بعض الحالات، ولقد تمت عملية الاندياح والتمازج هذه بسهولة ويسر في كثير من الحالات .

أفترض أيضاً أن التحديات التي تواجه استفادة الهوية الأفريقية من نبع الثقافة الإسلامية تتمثل في التحدي العرقي والجهوي كما يطل برأسه تحدي التخلف وضعف التنمية إضافة إلى افتراض أن التحدي العقدي والفكري أضعف التمازج ومثال ذلك التحدي التنصيري والتحدي العلماني والإلحادي والشيوعي إضافة إلى التطرف الديني سواء كان تكفيراً أو اختراقاً مذهبياً .

محتويات البحث :

مقدمة

  • الشكر لله تعالى والصلاة والسلام على الرسول الكريم .
  • الشكر على الدعوة وأهمية انعقاد مثل هذه الندوات .
  • أهمية موضوع الندوة بعامة وموضوع الهوية الأفريقية بخاصة .
  • أفريقيا بوابة العقيدة والثقافة الإسلامية المنفتحة على مهبط الوحي .
  • الدراسات الأفريقية التي تناولت الهوية والثقافة الإسلامية .
  • منهجي في هذه الدراسة .
  • فروض البحث .

المبحث الأول : مفهوم الهوية الأفريقية ومكوناتها :

  • المطلب الأول : مفهوم الهوية والإفريقانية .
  • المطلب الثاني : مكونات هذه الهوية الأفريقية .
  • المطلب الثالث : التيارات التغريبية .

المبحث الثاني : التمازج الثقافي الإسلامي الأفريقي :

  • المطلب الأول : مفهوم الثقافة ومكوناتها .
  • المطلب الثاني : الثقافة الإسلامية في أفريقيا .
  • المطلب الثالث : عملية التمازج المرغوب منها والمحذور .

المبحث الثالث : التحديات أمام الهوية والثقافة الإسلامية :

  • المطلب الأول : التحدي العرقي والجهوي .
  • المطلب الثاني : تحدي التخلف والتنمية .
  • المطلب الثالث : التحدي العقدي والفكري .

الخاتمة : خلاصة البحث .

النتائج والتوصيات .

المبحث الأول : مفهوم الهوية الأفريقية ومكوناتها :

المطلب الأول: مفهوم الهوية الأفريقية :

الهُوية (بالضم) هي ما يميز الذاتية لكل فرد بل لكل مجموعة بشرية شعباً كان أو أمة، والكلمة –كما هو معلوم- آتية من الضمير (هو) في مقابل الضمائر الأخرى أنت وأنا، فهي مصدر صناعي مستحدث يدل على المكونات والخصائص الذاتية، فالهُوية إذاً هي الخصائص والمكونات الذاتية للشخص أو المجموعة المعنية تتحدد ملامح هذه الشخصية فتكون بارزة وبوصفها وتعدادها تعرف هذه الشخصية وهذا يصدق على الفرد كما يصدق على الشعب والأمة كما أشرنا .

وبهذا نستطيع أن نقول إن الهوية الأفريقية تتكون من كذا وكذا من الخصائص والمميزات من حيث الوصف المادي للجسم والشكل واللون، ومن حيث المكونات اللغوية والفكرية والعقدية ومن حيث الجوانب الثقافية والحضارية وما يؤثر في هذه الهوية من البيئة المحيطة الجغرافية والمناخية والأصول العرقية سواء كانت متمازجة أو مميزة، ولقد تناول الكُتّاب القدماء والمحدثون خصائص الهوية الأفريقية ودافع بعضهم عنها بمنطق طبيعي عادل وآخرون هاجموا الشخصية والهوية الأفريقية دون تمييز لمراحل تكوينها بجدل عنصري سوداوي، بدرجات متفاوتة في التطاول، فمن الذين دافعوا عن الشخصية الأفريقية البدائية قبل تمازجها مع الآخرين العلامة عبدالرحمن بن خلدون في مؤلفه القيم (المقدمة) فقال ينفي الجانب العرقي في التخلف ويسنده للجانب المناخي “ولما رأى النسابون اختلاف هذه الأمم بسماتها (وشعائرها) حسبوا ذلك لأجل الأنساب فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام وارتابوا في ألوانهم فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية، وجعلوا أهل الشمال (شمال الكرة الأرضية) كلهم وأكثرهم من ولد يافث، وأكثر الأمم المعتدلة وهم أهل الوسط المنتحلون للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك من ولد سام” المقدمة صـ 117، أقول : وهذا مربط الفرس العنصري، وابن خلدون في أدب جم ترك العهدة في هذا الفهم العنصري على النسابين مع أن أصل الحكاية جاء في سفر التكوين من العهد القديموحتى استدراكه أن أصل النسب صحيح أقول : لا يعتمد إلا على هذه الحكايات التوراتية القديمة (سفر التكوين-الإصحاح العاشر عدد21-31، والحادي عشر 10-26) ولنا فيها رأي، واستطرد قائلاً “وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط وليس كذلك، فإن التمييز بين الجيل أو الأمم يكون بالنسب في بعضهم ويكون بالجهة والسمة، ويكون بالعوائد والشعائر، ويكون بغير ذلك من أحوال الأمم وخواصهم وميزاتهم” [المقدمة صـ 117] .

إن أفضل ما قاله ابن خلدون في نفي العنصرية بالجنس واعتماد الهوية على المميزات والسمات ومنها الاقليم “إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات وأن هذه كلها تتبدل في الأعقاب (الأنسال) ولا يجب استمرارها سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا” أ.هـ [المصدر نفسه] .

أقول إن الهوية الأفريقية –اعتمادا على هذا التحليل المنصف- مرت بمراحل حضارية وثقافية مختلفة فاختفت الشخصية البدائية في العصر الحديث وأصبحت لها مكونات حضارية وثقافية متداخلة وغلب فيها بحمد الله التمدن إضافة إلى عنصر الدين الذي أصبح للإسلام فيه النصيب الأكبر حتى من لم يعتنقوه أخذوا من ثقافته وحضارته ولغته العربية بقدر وافٍ – والحمد لله رب العالمين .

المطلب الثاني : مكونات الهوية الأفريقية :

واضح من تعريف الهوية الأفريقية في المطلب الأول المتقدم وضوح هذه المكونات وبيان المفهوم على نسق عادل، كما بيّنه العلامة ابن خلدون ومن المكونات للهوية الأفريقية تفصيلاً الآتي :

أولاً : التمازج العرقي الأفريقي العربي في معظم بلدان شمال القارة واستمرار هذا التمازج بقدر أقل في الوسط والجنوب .

ثانياً : انتشار اللغة العربية بذات المقادير بين الشمال والوسط والجنوب وتأثير كثير من المفردات العربية في اللغات الأفريقية بدرجات متفاوتة وتأخذ اللغة السواحلية النصيب الأكبر من مفردات وتعابير اللغة العربية .

ثالثاً : سيادة الدين الإسلامي في الشمال والوسط ووجود أقليات لها وزن كبير في الوسط الأدنى وفي الجنوب الأفريقي إضافة إلى تأثير الفكر والثقافة العربية في الجوانب السياسية الداعية إلى الحرية والانعتاق والاستقلال، ومن الإنصاف أن نشير إلى التجربة السياسية المتفاعلة مع حركات التحرر من مصر والسودان والجزائر ولا سيما الحقبة الناصرية .

رابعاً : الحضارية الإسلامية بعامة أثرت تأثيراً قوياً في البلدان والشعوب والدول الأفريقية في المظهر والمخبر بدرجات متفاوتة على مدى العصور حتى ترسخت هذه المكونات .

المطلب الثالث : التيارات التغريبية :

هذه المكونات التي أشرنا إليها تنازعها مكونات أخرى وفدت على القارة الأفريقية وهي التيارات الغربية والتغريبية الدينية والثقافية، أما التيارات الغربية فكانت موجة الإستيطان الغربي الذي استهدف أساساً الجنوب الأفريقي وأبرزه دولة جنوب أفريقيا التي بدأت في العصر الحديث دولة محتلة للمستوطنين البيض واستمر قهرها العنصري سنوات استعمارية طويلة فحدد هويتها الغربية ولكن من سنن الله في الكون أن يحدث التدافع فجاءت إليها عناصر هندية وباكستانية مسلمة فتفاعلت فيها الثقافات إلى أن أذن الله بتحريرها من الربقة الغربية .

وأما التيارات التغريبية فتمثلت في الغزو التنصيري والاستكشافي الجغرافي، هنا لم تفلح جهود الاستيطان إلا قليلاً الشرق في كينيا ويوغندا وبعض المناطق في الوسط، لكن نجح المد التنصيري التغريبي بالتعليم الغربي المخطط وبالبعثات الدراسية المبرمجة ثم بعد ذلك احتواء حركات الاستقلال واستبدال الاستعمار المباشر بالاستعمار الثقافي والاقتصادي والسياسي، وسنورد في بحث التحديات عوامل الدفع التي تحملها رياح الثقافة والفكر الآتية من الشرق والشمال والوسط الأفريقي، ومن عجب أن المنصرين رسموا خرطة إطلع عليها الباحث منذ أمد تحمل هذه الرياح أسهم (جغرافية) متجهة من الشمال للجنوب وأسهم أخرى متباطئة تحملها رياح الجنوب نحو الوسط والشمال ولله في خلقه شؤون.

المبحث الثاني : التمازج الثقافي الإسلامي الأفريقي

المطلب الأول : مفهوم الثقافة ومكوناتها :

مفهوم الثقافة يتداخل كثيراً مع مفهوم الحضارة على أن بعض الباحثين يجعل مكونات الثقافة هي الجوانب المعنوية والوجدانية .. مثل اللغة والفنون والآداب والقيم الدينية والأخلاقية والعلوم والمؤشرات للعلاقات الاجتماعية وطرق التهذيب والتربية لأن المادة اللغوية للثقافة تأتي من ثقّف قال الرازي صاحب مختار الصحاح  ” ثقف الرجل من باب ظَرُف صار حاذقاً خفيفاً فهو ثقْف مثل ضخْم فهو ضخم، ومنه المثاقفة، والثُقاف ما تسوى به الرماح وتثقيفها تسويتها” .

والفيروزبادي في القاموس المحيط  يجعل مادة ثقف تدل على الحذق قال “ثقُف ككَرُم وفرح ثُقفاً وثقِفاً وثقافة صار حاذقاً خفيفاً فطناً” .

أما الحضارة فيرون أنها تنصرف للجوانب المادية كالمباني والأسواق والطرق والصناعات والحرف والأواني وطرق الأكل والشرب …الخ، يقول العلامة ابن خلدون “إن البناء واختطاط المنازل إنما هو من منازع الحضارة التي يدعو إليها الترف والدعة .. وذلك متأخر عن البداوة .. وأيضاً المدن والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير وليست من الأمور الضرورية للناس التي تعم بها البلوى”  .

معنى ذلك أن الثقافة بالمكونات التي ذكرنا ضرورية للاجتماع البشري، وأما الحضارة الهيكلية او الطوبية –كما يعبر مالك بن نبي- ليست ذات أهمية كالثقافة التي فيها الفكر والوجدان والعلوم … الخ .

المطلب الثاني : الثقافة الإسلامية في أفريقيا :

يبحث بعض الناس عن تأصيل الثقافة الإسلامية في أفريقيا كما يبحث آخرون عن جذور الثقافة الأفريقية فلا يجدون غير الثقافة الوثنية عند القبائل البدائية والتي لا تزال موجودة في بعض مجاهل أفريقيا، لكن كما يقول بعض الباحثين إن أفريقيا خضعت قبل الإسلام لمؤثرات تعليمية وذلك في بعض أجزائها الشمالية على وجه الخصوص حيث كانت الحضارة المصرية الفرعونية القديمة، ثم المؤثرات الاغريقية الرومانية والمسيحية إلا أنها جميعاً لم تتمكن من إحداث التحولات الاجتماعية والفكرية والسياسية التي أحدثتها مؤسسات التعليم الإسلامي والعربي على امتداد القارة في وقت وجيز انطلاقاً من مميزات وخصائص بعينها مكنت لذلك التعليم من إحداث ثورة عظيمة في تاريخ الحياة الأفريقية بكل جوانبها الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية .

قد يظن بعض الناس أن هذا التوصيف فيه بعض المبالغة ولكني أرى فعلاً أن الثقافة والحضارة الإسلامية بمكوناتها التي أشرت إليها أحدثت ذلك التحول الأمر الذي نشّط من جديد المحاولات الثقافية الأخرى المضادة لتعود لميدان الصراع، الوثنية والوثنيون يريدون العودة إلى ثقافات وحضارات سادت ثم بادت !! والمسيحيون يريدونها نصرانية من جديد، ومثل هذه المحاولات تجري في مناطق مثل الصومال والسودان بإثارة النعرات القبلية والجهوية فضلاً عن التنصير المباشر والمبذولة فيه جهوداً وأموالاً كثيفة في شرق أفريقيا وغربها ووسطها .

ومعلوم أن الفرق المسيحية النشطة في التبشير هي الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروتستانتية الغربية وإلى درجة أقل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، وبعد انتشار الإسلام وسيادته على شمال وشرق وغرب أفريقيا لم يبقَ من آثار هذه الكنائس إلا الكنيسة الأرثوذكسية في مصر والحبشة مع وجود غالب للإسلام في مصر كما هو معلوم ووجود أغلبية إسلامية معتبرة ولكنها كانت مضطهدة كما في أثيوبيا حتى نهاية عهد هيلا سلاسي.

إن اندياح الاسلام وانتشار ثقافته أحدث لدى بعض الدوائر الكنسية قلقاً وصدمة من ضساع كثير من البلاد والشعوب التي كانت تدين بالمسيحية ومن هنا نجد تسارع المساعي التي تريد أن تنقذ ما يمكن إنقاذه بإصرار عنيد !.

“لقد دخل المنصرون الكاثوليك ربوع أفريقيا منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي في أعقاب الكشوفات الجغرافية .. وتلا ذلك إرساليات التنصير البروتستانتية في أفريقيا الغربية ومنذ العام 1878م اتجهت الإرسالية التنصيرية إلى أفريقيا مرافقة للبعثات الطبية والتعليمية والثقافية” .

وقد سبقتها الكشوف الجغرافية وجهود المستشرقين والباحثين في مختلف العلوم الإنسانية وحتى هذه السنوات من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي تنشط عمليات اكتشاف الآثار في الحقبة المسيحية كما في السودان وغيره من بلدان شمال وشرق أفريقيا، كما تنشر الإذاعات وفرق المنصرين المشاة في السر حيناً وفي العلن أحياناً .

رغم كل ذلك فإن الثقافة الإسلامية متمكنة وراسخة كالجبل الذي لا يحفل بالرياح، لقد عمق الاسلام روح التآخي وأمدّ الإفارقة بالنشاط والعزم واحترام النفس واحترام الآخرين  مع آلية التغيير الاجتماعي للأفضل بوسائل التعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقبل ذلك بتزكية النفس والجهاد في سبيل مرضاة الله ودفع ظلم الأعداء .

وقد شهد بعض الغربيين بالتغيير الذي أحدثه انتشار الإسلام في أفريقيا، كما نقل جعفر خلف الله شبو عن الرحالة منقو بارك قوله “لقد ظل الإسلام منذ دخوله في القارة الأفريقية يعمل على تطوير بلاد الزنوج وهو الديانة السماوية الوحيدة التي أدت إلى تطور هذه القارة الواسعة” كما نقل عن جوبلي قوله “إنه بالإسلام يبدأ العصر التاريخي لأفريقيا السوداء” .

هذا بالطبع في مقابل آراء متحاملة ترمي إلى البأس من أي خير في الشخصية الأفريقية إلا بعد اعتناقها للنصرانية والثقافة الغربية كما جاء في تقارير عن الأفارقة كانت في غاية القسوة مدفوعة بنزعات عنصرية إستعلائية كما في جدول الأنساب التوراتي الذي أشرنا إليه في المبحث الأول .

المطلب الثالث : عملية التمازج المرغوب منها والمحذور:

لا شك أن التمازج الذي يعبر عنه حديثاً بالاستيعاب أو الإدماج عملية لها جانبان : جانب مرغوب فيه، وجانب غير مرغوب فيه أو محذور هذا من حيث قبول هذا الإندماج من الجهة التي يراد إدماجها أو تلك التي تستقبل الإدماج .

وعملية الإدماج تشمل المصاهرة والتعايش واللغة وطرق الحياة المختلفة ثقافية أو دينية أو اقتصادية .

ولا شك أن البنية الثقافية الإسلامية تقبل هذا الإدماج والتمازج حيث أن أكبر طرق الإدماج أن الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى كما جاء في الحديث الصحيح .

ثم أن اللغة العربية الحاملة للوحي قرآناً وسنة يتحتم على المسلم أن يقرأ بها في عبادته القرآن فلا تقبل صلاة إلا بفاتحة الكتاب وهي باللغة العربية، ومن ثم كان تمازج اللغة العربية باللغات الأفريقية أمراً محبباً وأن المسلم يقرأ فكرة المساواة في الكتاب الكريم { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ‌ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ‌فُوا إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ‌} ﴿الحجرات: ١٣﴾ ومن ناحية ثانية فإن المسلم حين يدعو مسلماً للدخول في الاسلام ويقبل هذا فإن الفرحة التي تطل على قلبه ونفسه لا يعرفها إلا من يدركها :

لا يعرف الوجد إلا من يكابده

                                ولا الصبابة إلا من يعانيها

ثم إذا جاء هذا الذي هداه الله للإسلام إلى المسجد وأعلن إسلامه فإن المسجد يضج بالتهليل والتكبير تعبيراً عن الفرح .

ومن ناحية قبول الأفريقي لعملية الإندماج أيضاً نجد سهولة مدهشة عند الكثيرين، ولا يحول دون قبول الإسلام عند الأفريقي إلا عوامل خارجية منها تسلط الجبابرة أو منح الأموال أو منع الحريات أو إثارة النعرات العصبية، وهذه العوامل لا زالت تعمل في بعض البلدان مما يشكل أخطر التحديات أمام الدعوة الإسلامية .

أما عملية التمازج المحذور أو غير المرغوب فيه فهو ما يدعو إليه العلمانيون وتوابعهم من العولميين إضافة إلى الحركات والجمعيات السرية والماسونية على وجه الخصوص التي تريد كذباً وتلفيقاً الجمع بين أتباع الأديان لا للتعايش المحمود كما يدعو إليه الإسلام لكن للإستسلام للفكرة الماسونية التي تريد تذويب الآخرين في قناعاتها التوراتية تحت غطاء دعوى وحدة الديانات الإبراهيمية، ,الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

المبحث الثالث : التحديات أمام الهوية والثقافة الإسلامية

المطلب الأول : التحدي العرقي والجهوي :

من أخطر التحديات التي تواجه القارة الأفريقية هذا التحدي العرقي والجهوي ونعلم أن طبيعة الإنسان تأنس ببني جنسها ولكن هذه الطبيعة تتغير بعوامل كثيرة منها التحضر والتمدن، فإنسان الغابات والكهوف ليس كإنسان المدينة التي يختلط فيها الناس وتتفاعل فيها العوامل الثقافية والحضارية المختلفة، ويكون الاجتماع البشري فيها عنصراً غلاباً على الطبيعة البدائية التي تأنس بالقريب وتنفر من الغريب .

يقول العلامة ابن خلدون “من البيّن أن الالتحام والاتصال موجود في طباع البشر وإن لم يكونوا أهل نسب واحد؛ إلا أنه كما قدمنا أضعف مما يكون بالنسب، وانه تحصل به العصبية بعضاً مما يكون بالنسب وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجذب بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لُحماً لحماً وقرابة وتجد بينهم من الصداقة والعداوة ما يكون بين القبائل” [المقدمة 456-457] .

لكن ابن خلدون يعزو ذلك إلى قوة الدولة وسلطانها، فإذا ضعفت الدولة لجأ كل صاحب نسب وعرق إلى نسبه وعرقه وجهته التي هو فيها، إذاً المطلوب للتخلص من هذا التحدي العرقي والجهوي هو قوة سلطان الدولة وهذا مشاهد في الدول الحديثة القوية كالولايات المتحدة الأمريكية التي ضمت عناصر عرقية مختلفة ولكن قوة النظام مكنت من هذا التلاحم .

العنصر الثاني والأهم لقوة التلاحم البشري سواء كان في المدن أو البوادي والأرياف قوة العقيدة الدينية التي تضاف لسلطان الدولة ونظامها السياسي العادل، فالإسلام كما انتشر وقويت به الدولة حدث التلاحم المحمود الذي قرّب البعيد، وأنصف المظلوم، فلا يحتاج للإستنصار بقبيلة أو جهة، وهذا هو التحدي الذي يواجه دعاة الإسلام وأهل السياسة الشرعية أن يبذلوا الجهود لرفع المظالم وتحقيق التنمية التي تقضي على التخلف والنزاعات والحروب وما تجره من ويلات وتدخل للأعداء .

المطلب الثاني : تحدي التخلف والتنمية :

التنمية أصلها النماء والزيادة، وطلب النماء والزيادة وحب التملك من الطبائع البشرية التي تولد مع الإنسان وما نشاهده لدى الأطفال من ذلك يكفي في إسقاط هذه الحالة على سائر الناس، ولأمر ما سمى الله تعالى شعيرة من أهم عوامل النماء سمهاه الزكاة، فهي في الظاهر أخذ وإنتقاص للمال ولكنها في الحقيقة حافز على الاجتهاد في الطلب والسعي للزيادة والنماء وهذا مشاهد في الزروع والثمار والأنعام وغيرها هذا في الجانب المادي .

وأما الجانب الروحي والغيبي فإن الله تعالى تكفل بالزيادة والنماء والعوض والخلف لمن أدى زكاة ماله قال تعالى : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ 39] .

إن التخلف الذي تشهده أفريقيا من الفقر والمرض والجهل هو سبب المشكلات، وهو التحدي الأكبر أمام استمرار تمازج الثقافة الإسلامية والهوية الأفريقية ولا أحتاج هنا إلى كثير تمثيل وشواهد فعندنا في السودان لو كان جنوب السودان نال من التنمية ما ناله الشمال لما حدث الإنفصال، وتحدي التخلف هذا نعم فرضه الاستعمار لكن أين جهود المسلمين في البلاد الغنية منذ الاستقلال وفي حكومة المشروع الإسلامي ؟.

وكذلك مشكلة دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة تشكل تحدياً عظيماً أمام الاستقرار والتنمية وأخشى أن يكون الاستيقاظ لإستدراك هذا التخلف جاء متأخراً حيث أن التنصير والتغريب بل والإلحاد بدأ يطل برأسه وهنا يصدق القول “كاد الفقر أن يكون كفراً” ألا نقرأ في الأخبار أن بعض الأفارقة يركبون المخاطر ليلجأوا إلى دولة اليهود في فلسطين، ويركبون البحر المهلك ليهاجروا إلى الدول الأوربية، ويركبون غير ذلك من المهالك في تجارة البشر والمخدرات ونحوها .

المطلب الثالث : التحدي العقدي والفكري :

تواجه قارة أفريقيا تحديات عقدية وفكرية عظيمة وهي من الطّامات فإذا كان تحدي التخلف والتنمية يمكن تداركه فإن سلخ الهوية الأفريقية المتمازجة والمتصالحة من الثقافة والحضارة الإسلامية يمكن القضاء عليها بهذا التحدي العقدي والفكري الذي تدفع به للأمام جهود معادية كثيرة .

التحدي الأول : أول هذه التحديات العقدية والفكرية التحدي التنصيري الذي تقف خلفه كما أشرنا من قبل جهود غربية وعالمية غنية ومتواطئة بخطط استراتيجية تنصيرية وسياسية واقتصادية مدروسة دراسة تضمن لها الفاعلية والنفاذ ولا نكون مغالين إذا قلنا إن من ضمنها خلخلة المجتمعات والدول بإثارة النزاعات والحروب فمن كان يظن أن يأتي المنصرون إلى بلد مثل الصومال او دارفور في السودان، ومن كان يحسب أن طمع المنصرين يصل إلى أولاد وبنات المسلمين في المدن بل وفي الأرياف، هذا يصدق على كل البلدان الأفريقية .

التحدي الثاني : تحدي آخر مرتبط إلى حدٍ ما بأجندة التنصير وهو فكر العولمة المادي الذي يعادي في الظاهر كل الأديان لكنه في الخفاء يسوق الناس إلى نمط الحضارة الغربية التي في طوباها الإيمان المسيحي الذي يخاطب البحث عن النجاة الروحية لكنه بثمن قد يوصف بالبخس أن تمن وتفعل ما تشاء ثم يأتيك الخلاص ولعمري هذا نهج ديني وفكري تقوم عليه كل الفكرة التنصيرية (كما في العهد الجديد) .

التحدي الثالث : هو الصراع المذهبي الطائفي ومعلوم أن أفريقيا منذ القدم على مذهب أهل السنة والجماعة في جانب العقيدة وعلى مذهب الإمام مالك في فقه الفروع وبدرجة أقل يدين بعض أهلها بالمذهب الشافعي، والآن تسارع الخطى لصراع مذهبي يمثل التشيع فيه التحدي الأكبر، هذا التشيع وتوابعه من المذاهب الأخرى كالقاديانية والبهائية يشكل عنصر تهديد للتناسق والتعايش بين السكان .

بالطبع لم تثمر جهود البهائية والقاديانية لأنهما تحملان عنصر الفناء في داخلهما إسلامياً، ولكن يبقى مذهب الشيعة الإمامية فيه عنصر جذب لأنه ينطلق من منطلق محبة آل البيت وكل المسلمين السنة وبخاصة في أفريقيا يحبون آل البيت لأن نصيبهم من التصوف المرتبط بالموالد والمدائح التي تمجد آل البيت والصحابة كذلك مترسخ في شعور الأفارقة المسلمين .

هذا التحدي يزداد إذا كان سبيله البعثات الدراسية والتسهيلات المادية والمواقف السياسية الداعمة علناً للمقاومة ضد العدو الصهيوني، ولو أن مراجع التشيع جاءت إلى كلمة سواء فيما خطه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تقييد التقارب بين المذاهب بعدم الترويج المذهبي في المناطق التي لا تحتمل أياً من المذهب الآخر وكان التناصر في مواجهة الأعداء لكان ذلك خير، لكن يظل التحدي هو التحدي .

التحدي الرابع : هو تحدي التطرف والتكفير الذي يمثله بعض طلاب العلم الذين لم يتبحروا فيه وبعض أدعياء العلم والاستعلاء بالدعوة على الآخرين، هذا من أخطر التحديات لأنها مدعومة أيضاً بجهود وأموال الله أعلم من أين تأتي وربما صاحبتها اختراقات استخباراتية من أعداء الإسلام من اليهود وأحلافهم .

وليس بعيداً عن الأذهان هذه التفجيرات والاغتيالات للمسلمين المصلين الأبرياء في المساجد ودور العلم فهذا تحدي يغذيه الأعداء المشار إليهم ويسوق خطاه ظاهرية النصوص التي لا تفرق بين المحكم وغير المحكم والعام والخاص والصحيح والضعيف، ومواجهة هذا التحدي في نشر العلم الصحيح واتباع منهج أئمة المذاهب المشهود لهم بالورع والعلم والفهم .

والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل

الخلاصة :

خلص هذا البحث إلى أن أفريقيا هي بوابة الثقافة الإسلامية من زمن بعيد وأنها استقبلت الإسلام والمسلمين برتحاب شديد، وأن هويتها تشكلت من إنصهار الأعراق والأجناس الأفريقية والعربية وغيرها، وأن الدين الإسلامي وثقافته الموحى بها شكلت وجدان وثقافة الأفارقة في معظم أرجاء القارة .

وأنه من الصعب في كثير من المواطن فصل الهوية الأفريقية عن الثقافة والهوية الإسلامية لأن المكونات التي أشار إليها البحث من المصاهرة واللغة والدين أصبحت من أقوى المكونات الرابطة للهوية .

خلص البحث أيضاً إلى أربع تحديات كلها تحتاج إلى المواجهة والعلاج الحاسم، الأول، التحدي العقدي والفكري الذي يمثله التحدي التنصيري، والتحدي الثاني في إطار هذا التحدي العقدي والفكري التحدي المادي العولمي الذي يتثير الرغبة في التمتع العاجل وينسى المآلات والآجل .

التحدي الثالث الصراع المذهبي الذي تمثل التيارات التشييعية فيه الخطر الذي يهدد التعايش والتقارب المذهبي الذي يسد الباب أمام المهدديْن التنصيري والمادي العولمي .

والتحدي الأخير هو تحدي التطرف والتكفير الذي يهدد الأمن الشخصي والأمن الاجتماعي في كل البلدان الإسلامية، والمعالجات المطلوبة تخللت البحث في ثناياه ولكن أُجمل أدناه بعض التوصيات .

والله الموفق

التوصيات :

  1. وضع خطة استراتيجية متفق عليها بين المنظمات والروابط والهيئات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية لمواجهة التحديات .
  2. يعتمد في هذا الخطة التنسيق اللصيق بين المنظمات الرسمية والطوعية والخيرية وأن يعتمد في ذلك المشتركات من الأهداف والوسائل .
  3. وضع خطة تنظيمية وتنفيذية تعتمد ترتيب الأولويات والمسائل ذات الأهمية والعاجلة .
  4. تنشيط مراكز البحوث لرصد المتغيرات والتحديات وتحليل الاتجاهات في عنصري الشباب والنساء .
  5. رصد الإمكانات والأموال لدفع خطى الدعوة للأمام ولا سيما في إطار الخطط الموضوعة ويشترك في ذلك الجهد الرسمي الحكومي والجهد الشعبي .
  6. التركيز على التأهيل والتدريب للكفاءات العاملة في ربط القارة بالإسلام .
  7. الحرص على وحدة الأمة والتحلي بسعة الأفق من الدعاة والعلماء بل والحكام حتى تتحد الكلمة فتفشل مخططات الأعداء في زرع الفتنة وتشتت اللحمة .

والله المستعان

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

 

 

المراجع :

  1. القرآن الكريم
  2. صحيح الإمام البخاري
  3. صحيح الإمام مسلم
  4. الإسلام في أفريقيا-مجموعة كتب مؤتمر الإسلام في أفريقيا – الخرطوم (1427هـ-2006م) مجموعة من الأبحاث في مجلدات .
  5. مختار الصحاح- محمد بن أبي بكر الرازي، دار الحديث – القاهرة .
  6. القاموس المحيط – محمد بن يعقوب الفيروزبادي، مؤسسة الرسالة – بيروت .
  7. مجلة جامعة أم درمان الإسلامية – جعفرخلف الله شبو، العدد الثاني والعشرون-الخرطوم 2012م .
  8. مجلة دراسات دعوية، كلية الدعوة-جامعة أفريقيا العالمية- مهدي ساتي صالح، العدد الثاني 1420هـ .
  9. قراءات أفريقية، المنتدى الإسلامي – عدد من الإصدارات .
  10.  أفريقيا الإسلامية – علي المزروعي .
  11. العهد القديم – سفر التكوين .
  12. العهد الجديد – رسائل بولص .