الامانة

المقدمة :

    الحمد لله الذي جعل الامانة برهاناً على ايمان عباده  ودليلاً على صدقهم مع الله وانفسهم والصلاة والسلام على من لقب بالامين وعلى اله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين.

    ان الاسلام يرقب من معتنقه ان يكون ذا ضمير يقظ تُصان به حقوق الله وحقوق الناس ، وتُحرس به الاعمال من دواعي التفريط والأهمال . ومن ثم اوجب على المسلم ان يكون أميناً.

تعريف الامانة:

    هي كل مايجب حفظه وتأديته الى أهله. فهي كلمة واسعة المدلول تشمل العلاقات الانسانية ؛ فالتزام الايمان وتعهده بأسباب الرعية والنماء امانة ، واخلاص العبادة لله امانة ، واحسان المعاملة مع الافراد والجماعات امانة ، واعطاء كل ذي حق حقه امانة ، والامانة والعدل دعامتان من دعائم المجتمع الفاضل ، فما اكرم المجتمع الذي يأمن فيه الناس بعضهم بعضاً وما اعظم المجتمع الذي يسود فيه العدل فـلا ظالم ولا مظلوم . ولاتجاوز على حقوق العباد والاسلام ــ بوصفه دين الحياة القويمة والتعامل السليم بين الناس ــ يرسي دعائم الامن الاجتماعي ، فيأمر الناس جميعاً باداء الامانة الى اصحابها ، خوفاً من ان يفرط بعضهم على بعض . فتختل القيم الاجتماعية وتسود الفوضى وينقلب المجتمع الى غابة يأكل القوي فيها الضعيف ، وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ” أد الامانة الى من ائتمنك ، ولاتخن من خانك”.كما ان الامانة من اهم المبادئ التي يرتكز عليها الاسلام ويدعو على ادائها لاهلها ، لتكون ذمم المؤمنين بريئة من الشبهات على الدوام لذلك امرنا الله تعالى باداء الامانة فقال: “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا” سورة النساء(58)  ، واخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان خيانة الامانة من صفات المنافقين فقال:” اية المنافق ثلاث: اذا حدث كذب ، واذا وعد اخلف ، واذا اؤتمن خان” متفق عليه.

وقال كعب بن زهير:

ارعى الامانة لا أخون امانتي  *** ان الخؤون على الطريق الأنكب

{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب : 72]
أهمية الامانة:

     ان الامانة هي التي تقوم عليها الدنيا فهل تتصور حياة بلا امانة؟ فمن اراد تزويج ابنته حرص على افضل الرجال ، حفظاً لهذه الامانة. واذا اراد الرجل اللبيب الزواج حرص على ذات الدين التي يأمنها على عرضه واولاده وبيته.

    ولذلك كلما قلت الامانة فسدت الحياة ، وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن زمان تقل فيه الامانة حتى تندر فقال: ” فلا يكاد احد يؤدي الامانة ، حتى يقال: ان في بني فلان رجلاً اميناً ” متفق عليه.

    واخبر صلى الله عليه وسلم اصحابه رضي الله عنهم عن فساد الدنيا عندما يذهب خيار الناس ويبقى شرارهم الذين فسدت عهودهم واماناتهم فقال:” كيف بكم وبزمان يوشك ان يأتي يغربل الناس غربلة ، ثم تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم واماناتهم”. رواه ابن ماجه وصححه الالباني.

    وهكذا كلما فسدت امانات الناس فسدت الدنيا ، حتى اذا اضيعت الامانة لم تصلح الدنيا للحياة فتقوم الساعة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة:” فإذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة” رواه البخاري.

    فلاعجب ان تكون الامانة من اخص صفات الحاملين لاعظم امانة ، وهي امانة التبليغ عن الله تبارك وتعالى ، فالله يختار من خلقه اكثرهم امانة على ذلك ، فالوحي ”  نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ”  سورة الشعراء (193) ، وهو امين الوحي جبريل عليه السلام ، والله يريد للناس الايمان برسالاته فيبعث في اهل القرى الرجال الامناء منهم ، ففي سورة الشعراء يخبرنا الله عز وجل ان كل رسول مذكور فيها كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام ، كل رسول منهم قد قال لقومه: “إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ” ، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهوراً بينهم بأنه الامين ، وكان  اعظم الناس امانة ، وهكذا ينبغي ان يكون الدعاة إلى الله اعظم الناس امانة ، لأنهم يحملون أعظم أمانة ، وهي رسالة الله إلى عباده.

أصل الأمانة:

    والأمانة كما قال العلماء أصلها امران:

الأول: امانة في حقوق الله تبارك وتعالى وهي العبادات، وهي كل ما افترض الله على العباد ، كالصلاة والزكاة والصيام والطهارة وغيرها من العبادات . وهي كذلك تشمل الانتهاء عن ما نهى الله عباده عن اقتحامه من المحرمات ، فالبصر امانة لايجوز اطلاقه في محارم الله والسمع امانة لايسمع ماحرم الله ، والقلب لايودع من العلم الا مايرضي الله كما قال تعالى :”إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً” الاسراء(36). هذه هي امانة العبادات التي كلف الله  عباده بحملها وادائها ، فمن اداها فله الكرامة ، ومن قصر فيها استحق الغرامة!.

الثاني: امانة في حقوق البشر وهي كذلك من امر الله ، كما قال تعالى : “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا”  النساء(58).

والامانة في حقوق البشر كثيرة منها:

 الأمانة المالية:

    وهي الودائع التي تعطى للانسان ليحفظها لاهلها ، فمن لم يؤد الوديعة فإنه لم يؤد الامانة ، وهو مسؤول عن ذلك. وكذلك حق الاجير امانة لدى من استعمله عليه اداؤها ، وهذه من اعظم الامانات ، فمن اكل حق خادم او انقص عاملاً من اجرته فليسمع هذا الوعيد من العزيز المجيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى : ” قال الله تعالى : ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة : رجل اعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حراً فأكل ثمنه ، ورجل استأجر اجيراً فاستوفى منه ولم يعطه اجره” رواه البخاري. فليحذر الانسان ان يكون الله ملك يوم الدين خصمه في ذلك اليوم .

أمانة الوظيفة:

فمن استؤجر لاداء عمل فلابد من ادائه على مايشترط عليه ، فالمسلمون على شروطهم اذا وافقت الشرع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” والمسلمون على شروطهم ، الا شرطاً حرم حلالاً او أحل حراماً ” رواه الترمزي وصححه الالباني.

وقد امر الله تعالى بالوفاء بامانة العقود فقال تعالى في أول سورة المائدة :”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ” المائدة(1) ، فمن وُكل اليه عمل مقابل اجر او راتب ، فعليه بالوفاء واداء ما وُكل اليه كما ينبغي ، والاّ فانه لم يؤد الامانة!.

أمانة الولاية:

     فكل من ولاه الله تبارك وتعالى امراً من امور المسلمين ، فهذه امانة وهو مسؤول عن ادائها : هل اقام شرع الله فيهم؟ هل حقق العدل بينهم؟ هل حفظ مال المسلمين؟ هل امرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ هل وسد الامر الى اهله؟ فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الذي سأله عن الامانة كيف اضاعتها؟ قال: ” اذا وسد الامر الى غير اهله”. رواه البخاري.

    بل ان امانة رعاية ما استرعانا الله تشمل كثيراً من الناس ، كالوزير في وزارته ، والرجل في أهله ، كما قال صلى الله عليه وسلم :” الا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالامير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على اهل بيته وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه . الا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” متفق عليه.

ومن الأمانة كذلك مايكون بين الانسان وصاحبه من الامور الخاصة :

    فهذه الامور  يجب الا يطلع عليها احد من الناس ، فلايجوز لاحدهما ان يخبر به ، والا فانه مضيع للامانة ، بل ان النبي صلى الله عليه وسلم عد التفات الرجل اذا حدث اخاه انه موجب لحفظ امانة هذا الحديث ، لانه يدل على ان هذا الرجل يخشى ان يسمعه احد! قال النبي صلى الله عليه وسلم : “اذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي امانة”. رواه ابو داؤد وحسنه الالباني.

 ومن الامانة ايضاً ما يكون بين الرجل وزوجته من الاشياء الخاصة :

     فالعلاقة الزوجية هي من اخص العلاقات الانسانية ، ويجري بين الزوجين من الامور ما لايجوز ان يطلع عليه احد من الناس ، فمن خان  هذه الامانة ونشر سراً مما يكون بينهما ، فانه من اشر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ان من اشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي الى امرأته وتفضي اليه ثم ينشر سرها” رواه مسلم. وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم امانة بل اعظم من امانة كما في رواية عند الامام مسلم كذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :” ان من اعظم الامانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي الى امراته وتفضي اليه ثم ينشر سرها”. وليس من الرجولة ان يفشي الرجل سر امرأته كما يفعله بعض السفهاء ، بل الرجولة في اداء الامانة وحفظ الاسرار.

ومن الأمانة حفظ النعم التي انعم الله علينا بها:

فالمال امانة ، لايصرف الا في مصارفه الشرعية التي فيها مصلحة الدين والدنيا ، وقد نهينا عن الاسراف والتبذير كما قال تعالى:” وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ “. الاعراف (31). وقال في وصف عباده المؤمنين : “وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا” الفرقان(67). والصحة امانة ، فلايجوز توجييها في المحرمات ولا المخاطرة بها وتعريض الجسم للتلف ، بتعاطي اسباب ذلك من تعاطي للمخدرات ، او قيادة السيارة بسرعة ، او غير ذلك من اسباب هدر امانة الصحة بل الواجب حفظ هذا الجسد الذي هو مطية الروح فهو امانة.

ومن النعمة كذلك مايسره الله تبارك وتعالى لنا من المرافق العامة ، فالواجب المحافظة عليها وعدم اتلافها ، فهذه الطرق والمباني العامة واجهزة الخدمات العامة قد كلفت من اموال الدولة الكثير فهلا حافظنا على هذه الامانة وعلمنا اولادنا ذلك ، لتبقى لنا ولغيرنا؟ فانها امانة!

ومن الأمانة حفظ نعمة الامن:

الامن الذي نعيش فيه ، وحرمه الكثيرون غيرنا ، ألم يمكن الله لنا بلداً آمناً ويتخطف الناس من حولنا؟. فهلا عرفنا لهذه الامانة والنعمة قدرها فحافظنا عليها؟ هلا حافظنا عليها بالشكر لله قولاً باللسان وعملاً بالجوارح والأركان ، وبطاعة الله ونبذ الشرك والعصيان ، وطاعة ولي الامر فيما يرضي الله ، فالأمن امانة عظيمة ، ونعمة لايُعرف قدرها الا عند فقدها ! نسأل الله العافية.

الامانة من منظور القرآن والسنة:

    الامانة في نظر الشارع واسعة الدلالة ، وهي ترمز الى معان شتى ، مناطها جميعاً شعور المرء بتبعته في كل امر يوكل اليه ، وادراكه الجازم بأنه مسؤول عنه امام ربه.

    قال ابن عمر – راوي الحديث- سمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم ، واحسبه قال :” الرجل في مال ابيه راع وهو مسؤول عن رعيته”.

    والعوام يقصرون الامانة في اضيق معانيها وآخرها ترتيباً ، وهو حفظ الودائع . مع ان حقيقتها في دين الله اضخم واثقل.وإنها الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها. حتى انه عندما يكون احدهم على أهبة السفر ، يقول له اخوه : “استودع الله دينك وامانتك وخواتيم عملك”. رواه الترمزي.

    وعن انس قال:” ماخطبنا رسول الله الا قال : لا ايمان لمن لا امانة له ولادين لمن لا عهد له”.

    ولما كانت السعادة القصوى ان يوقى الانسان شقاء العيش في الدنيا وسوء المنقلب في الأخرى ، فان رسول الله جمع في استعاذته بين الحالين معاً اذ قال: ” اللهم اني اعوذ بك من الجوع فانه بئس الضجيع ، واعوذ بك من الخيانة فانها بئس البطانة”. فالجوع ضياع الدنيا والخيانة ضياع الدين. وكان رسول الله في حياته الاولى قبل البعثة يُلقب بين قومه بالامين.

    وكذلك شوهدت مخايل الامانة على موسى حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما ، واحترم انوثتهما ، وكان معهما عفيفاً شريفاً  قال تعالى:”فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ {24} فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {25} قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ {26}” القصص (24-26). وقد حدث هذا قبل ان ينبأ موسى ويرسل الى فرعون.

    ولاغَرْوَ فرُسل الله يُختارون من اشرف الناس طباعاً ، وأزكاهم معادناً ، والنفس التي تظل معتصمة بالفضيلة – على شدة الفقر ووحشة الغربة – هي لرجل قوي امين ! والمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد ، تتطلب خلقاً لا يتغير باختلاف الايام بين نعمى وبؤسي ، وذلك جوهر الامانة.

    من معاني الامانة وضع كل شئ في المكان الجدير به ، واللائق له ، فلا يسند منصب الا لصاحبه الحقيق به ، ولا تملأ وظيفة الا بالرجل الذي ترفعه كفايته اليها.

  واعتبار الولايات والاعمال العامة امانات مسؤولة ثابت من وجوه كثيرة:

    فعن ابي ذر قال:”قلت يارسول الله الا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : يا ابا ذر ، انك ضعيف ، وانها امانة ، وانها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من اخذها بحقها وادَّى الذي عليه فيها”.

    ان الكفاية العلمية او العملية ليست لازمة لصلاح النفس ، فقد يكون الرجل رضي السيرة ، حسن الايمان . ولكنه لايحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجاً في وظيفة معينة.

    ألا ترى الى يوسف الصديق: إنه لم يرشح نفسه لادارة شؤون المال بنبوته وتقواه فحسب ، بل بحفظه وعلمه أيضاً “قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ” يوسف(55).

    والامانة تقضي بان نصطفي للاعمال احسن الناس قياماً بها ، فاذا ملنا عنه  الى غيره – لهوى او رشوة او قرابة – فقد ارتكبنا – بنتيجة القادر وتوليه العاجز – خيانة فادحة.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو ارضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين”.

    وعن يزيد بن ابي سفيان قال: قال لي ابو بكر الصديق حين بعثني الى الشام : يايزيد ، ان لك قرابة عسيت ان تؤثرهم بالامارة ، وذلك اكثر ما اخاف عليك بعد ما قال رسول الله : ” من ولِّي من امر المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم احداً محاباة فعليه لعنة الله لايقبل الله منه صرْفاً ولا عدْلاً حتى يدخله جهنم”.

    والامة التي لا امانة فيها ، هي الامة التي تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقررة ، وتطيش باقدار الرجال الاكفاء ، لتهملهم وتقدم من دونهم. وقد ارشدت السنة الى ان هذا من مظاهر الفساد ، الذي سوف يقع آخر الزمان.

    ومن معاني الامانة ان يحرص المرء على اداء واجبه كاملاً في العمل الذي يناط به ، وان يستنفد جهده في ابلاغه تمام الاحسان. اجل انها الامانة يمجدها الاسلام : ان يُخْلِصَ الرجل لشغله وان يسهر على حقوق الناس التي وضعت بين يديه ن فان استهانة الفرد بما كلف به – وان كان تافهاً – تستتبع شيوع التفريط في حياة الجماعة كلها ، ثم استشراء الفساد في كيان الامة وتداعيه برمته.

    وخيانة هذه الواجبات تتفاوت إثماً ونُكْراً ، واشدها شناعة ما أصاب الدين ، وجمهور المسلمين ، وتعرضت البلاد لأذاه.

    قال رسول الله : ” اذا جمع الله بين الاولين والآخرين يوم القيامة ، يرفع لكل غادر لواء يعرف به! فيقال : هذه غدرة فلان….”.

وفي رواية:” لكل غادر لواء عند استه ، يرفع له بقدر غدرته. ألا ولا غادر اعظم من امير عامة”. اي ليس اعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من رجل تولى امور الناس فنام عنها حتى اضاعها.

 ومن الامانة ألا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه ، لجر منفعة إلى شخصه او قرابته ، فان التشبع من المال العام جريمة.والمعروف ان الحكومات او الشركات تمنح مستخدميها اجوراً معينة . فمحاولة التزيد عليها بالطرق الملتوية هي اكتساب للسحت.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما اخذ بعد ذلك فهو غلول”. لانه اختلاس من مال الجماعة الذي ينفق في حقوق الضعفاء والفقراء ، ويرصد للمصالح الكبرى قال تعالى:”..وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ “.آل عمران(161).

    اما الذي يلتزم حدود الله في وظيفته ، ويأنف من خيانة الواجب الذي طُوِّقه فهو عند الله من المجاهدين لنصرة دينه وأعلاء كلمته.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” العامل اذا استعمل ، فاخذ الحق واعطى الحق ؛ لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع الى بيته”.

    وقد شدد الاسلام في ضرورة التعفف عن استغلال النفوذ ، وشدد في رفض المكاسب المشوبة.عن عدي بن عميرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” من استعملناه  منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوق كان غلولاً يأتي به يوم القيامة ؛ فقام اليه رجل اسود من الانصار- كاني انظر اليه – فقال : يارسول الله ، اقبل عني عملك !! قال : ومالك؟؟ قال : سمعتك تقول : كذا وكذا . قال : وانا اقوله الآن : من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره ، فما أوتي منه اخذ وما نهي انتهى”.

    وحدث ان استعمل النبي  صلى الله عليه وسلم رجلاً من الازد يقال له : ابن اللُّتْيِبَّة ، على الصدقة ، فلما قدم ­­- بها – قال : هذا لكم ، وهذا أُهْدِيَ إليَّ!.قال راوي الحديث : فقام رسول الله فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال: ” اما بعد فاني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاّني الله فياتي فيقول : هذا لكم ، وهذا هدية أهديت إليّ.أفلا جلس في بيت ابيه وامه حتى تاتيه هديته إن كان صادقاً؟؟. والله لايأخذ احد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة! فلا اعرفن احداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء ، او بقرة لها خوار ، او شاة تَيْعر. ثم رفع يديه حتى رؤي بياض ابطيه يقول:اللهم هل بلغت؟”.

    من معاني الامانة ان تنظر الى حواسك التي انعم الله بها عليك ، وإلى المواهب التي خصَّك الله بها ، والى ما حُبيت من اموال واولاد ، فتدرك انها ودائع الله الغالية عندك ،  فيجب ان تسخرها في قرباته ،وان تستخدمها في مرضاته. فان امتحنت بنقص شئ منها ، فلا يستخفنك الجزع متوهماً ان ملكك المحض قد سلب منك ، فالله اولى بك منك ، واولى بما افاء عليك ، وله ما اخذ وله ما اعطى! وان امتحنت ببقائها فما ينبغي ان تجبن بها عن جهاد ، او تفتن بها عن طاعة ، او تستقوي بها على معصية. قال الله عز وجل:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {27} وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ {28} “.الانفال(26-28).

    ومن معاني الامانة ان تحفظ حقوق المجالس التي تشارك فيها ، فلا تدع لسانك يفشي اسرارها، ويسرد اخبارها.فكم من حبال تقطعت ، ومصالح تعطلت ، لاستهانة بعض الناس بامانة المجلس ، وذكرهم ما يدور من كلام منسوباً الى قائله ، او غير منسوب.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اذا حدث رجل رجلاً بحديث ثم التفت ، فهو امانة”.

وحرمات المجالس تصان ، مادام الذي يجري فيها مضبوطاً بقوانين الادب و شرائع الدين ، والا فليست لها حرمة.وعلى كل مسلم شهد مجلساً يمكر فيه المجرمون بغيرهم ليلحقوا به الاذى ، ان يسارع الى الحيلولة دون الفساد جهد طاقته.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” المجلس بالامانة ، الا ثلاثة مجالس: مجلس سفك دم حرام ، او فرج حرام ، او اقتطاع مال بغير حق”.

    عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:” القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها الا  الامانة.. قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة – وان قتل في سبيل الله – فيقال : أدِّ امانتك! فيقول: أي ربِّ ، كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به الى الهاوية ، وتمثَّل له امانته كهيئتها يوم دفعت اليه ، فيراها فيعرفها ، فيهوى في اثرها حتى يدركها ، فيحملها  على منكبيه ، حتى اذا ظن انه خارج زلت على منكبيه ، فهو يهوى في اثرها ابد الآبدين ، ثم قال : الصلاة امانة ، والوضوء امانة ، والوزن امانة ، والكيل امانة ، واشياء عددها ، واشد ذلك الودائع”. رواه احمد.

    قال راوي الحديث: فاتيت البراء بن عازب ، فقلت : الا ترى الى ما قال ابن مسعود؟ قال : كذا! . قال – البراء – : صدق ، اما سمعت الله يقول :”إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ” النساء(58)؟.

    والامانة التي تدعو الى رعاية الحقوق وتعصم عن الدنايا ، لا تكون بهذه المثابة الا اذا استقرت في وجدان المرء ، ورست في اعماقه ، وهيمنت على الداني والقاصي من مشاعره!.

    وذاك معنى حديث حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ان الامانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن ، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة”.

والعلم بالشريعة لايغني عن العمل بها ، والامانة ضمير حي الى جانب الفهم الصحيح للقرآن والسنة. فإذا مات الضمير انتزعت الامانة ، فما يغني عن المرء ترديد للايات ، ولادراسة للسنن. وادعياء الاسلام يزعمون للناس –وقد يزعمون لانفسهم- انهم امناء. ولكن هيهات ان تستقر الامانة في قلب تنكر للحق.

    ومن ثم يستطرد حذيفة في وصفه ، لتسرب الامانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين ، فيروي عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم :” ثم حدثنا عن رفع الامانة فقال : ينام الرجل النومة فتنقبض الامانة من قلبه فيظل اثرها مثل الوكت- هو الاثر المغاير ، كالنقطة على الصحيفة- ثم ينام الرجل النومة فتنقبض الامانة من قلبه، فيظل اثرها مثل اثر المَجْل”.-كالبثور التي تظهر في اليد مثلاً من استخدام الادوات الخشنة- ثم قال: “فيصبح الناس يتبايعون ، لايكاد احد يؤدي الامانة؛ حتى يقال: ان في بني فلان رجلاً اميناً ، وحتى يقال للرجل: ما اجلده! ما اظرفه! ما اعقله! ومافي قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان”. والحديث يصور انتزاع الامانة من القلوب الخائنة تصويراً محرجاً فهي كذكريات الخير في النفوس الشريرة ، تمر بها وليست منها ، وقد تترك في ممرها اثراً لاذعاً. بيد انها لاتحيي ضميراً مات ، واصبح صاحبه يزن الناس على اساس اثرته وشهوته ، غير مكترث بكفر او ايمان!!.

    ان الامانة فضيلة ضخمة ، لايستطيع حملها الرجال المهازيل . وقد ضرب الله المثل لضخامتها ، فأبان انها تثقل كاهل الوجود كله فلا ينبغي للانسان ان  يستهين بها ، او يفرط في حقها. قال الله تعالى:”إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ” .الاحزاب(72).

    والظلم والجهل آفتان عرضتا للفطرة الاولى ، وبُلي الانسان بجهادها لن يخلص له ايمان ، الا اذا انقاه من الظلم. قال تعالى:” الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ”.الانعام (82). ولن تخلص له تقوى الا اذا نقاها من الجهالة قال تعالى :”إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ..”.فاطر(28).

    ولذلك – بعد ان تقرأ الآية التي حملت الانسان الامانة- تجد ان الذين غلبهم الظلم والجهل ، خانوا ونافقوا واشركوا ، فحق عليهم العقاب، ولم تكتب السلامة الا لأهل الايمان والامانة قال تعالى:”لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا “. الاحزاب(73)

من صور الامانة:

  1. قال صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لاصحابه رضي الله عنهم:” اشترى رجل من رجل عقاراً له ، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني ، انما اشتريت منك الارض  ، ولم ابتع منك  الذهب ، فقال الذي شرى الارض (اي: الذي باعها): انما بعتك الارض وما فيها قال : فتحاكما الى رجل ، فقال الذي تحاكما اليه: ألكما ولد؟ فقال احدهما : لي غلام ، وقال الآخر : لي جارية ، قال : انكحوا الغلام بالجارية ، وانفقوا على انفسكما منه وتصدقا”.
  2. ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل من بني اسرائيل انه سأل رجلاً من بني اسرائيل ان يسلفه الف دينار ، فقال : ائتني بالشهداء اشهدهم ، فقال : كفى بالله شهيداً ، قال : فائتني بالكفيل، قال : كفى بالله كفيلاً ، قال : صدقت، فدفعها اليه على اجل مسمى ، فخرج في البحر ، فقضى حاجته ، ثم التمس مركباً يركبها ، يقدم عليه للاجل الذي اجله ، فلم يجد مركباً ، فأخذ خشبة ونقرها ، فأدخل فيها الف دينار، وصحيفة منه الى صاحبه ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها البحر ، فقال : اللهم انك تعلم اني كنت تسلفت فلاناً الف دينار سألني كفيلا ، فقلت : كفى بالله كفيلاً ، فرضي بك ، وسألني شهيداً فقلت :كفى بالله شهيداً ، فرضي بذلك ، واني جهدت ان اجد مركباً ابعث اليه الذي له فلم اقدر ، واني استودعكها ، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف ، وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج الى بلده. فخرج الرجل الذي كان اسلفه ، ينظر لعل مركباً قد جاء بماله ، فاذا بالخشبة التي فيها المال ، فاخذها لاهله حطباً ، فلما نشرها وجد المال والصحيفة. ثم اقدم الذي كان اسلفه فأتى بالالف دينار، فقال : والله مازلت جاهداً في طلب مركبة لآتيك بمالك ، فما وجدت مركباً قبل الذي اتيت فيه، قال : كنت بعثت الي شئ؟ قال: اخبرك اني لم اجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فان الله قد ادى عنك الذي بعثت في الخشبة ، فانصرف بالالف دينار راشداً).

الخاتمة:

     ان كل ما انعم الله به علينا من النعم ، نحن مسؤولون عنها يوم القيامة ، هل حافظنا عليها؟ هل قمنا بواجب شكرها قولاً وعملاً؟ قال تعالى : “ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ “. التكاثر (8)

    لقد امننا الله تبارك وتعالى من ان يظلمنا فقال:”..وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ “. ق(29) وحملنا هذه الامانة ، فهلا اتقينا الله فيها؟ فان طاعة الله واداء حقوقه وحقوق عباده كل خير في الدنيا والآخرة.

    نسأل الله العظيم ان يوفقنا لاداء كل ما ائتمننا عليه سبحانه، وان يحفظ علينا امننا واعراضنا واموالنا وكل ما انعم به علينا ، وان يعيننا على شكره وحسن عبادته .