الصوم جنة

ان تضبط الإنسانية نفسها فهذا شيء تحمد عليه ولا غنىً لها عنه، وأن تترك دون كبح لأهوائها مطلوقة العنان تكون قد فقدت العقل السليم سبيل الرشاد وسارت في ظلمات الجهل مهوى الحطيم ، ورمضان شهر عظيم فهو لله ولأن كل الأعمال لإبن آدم إلا رمضان، وقد تولى الله جزاء من صامه حيث قال في الحديث القدسي:( كل عمل إبن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم مرتين ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه). رواه أحمد ومسلم والنسائي، ورواية البخاري وأبوداود ( الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل:إني صائم مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به الحسنة بعشر أمثالها ).

كلا الحديثين يعظمان الصوم ويجلان من صام لله حيث أنه ترك شهوة البطن والفرج والشرب في الغيظ الشديد تعبّداً لله وطاعة لأمره واجتناباً لنهيه، وان الله يعظم فيه ويستطيب ما يستكرهه الإنسان من رائحة كريهة تنبعث من فمه بسبب خلو بطنه من الطعام وأكثر من ذلك حيث أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة.

عن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن :منعته النوم بالليل فشعني فيه فيشفعان ). أنظر إلى هذه النعم، فالعبد في آخر المطاف، وبعد الرحيل الإجباري إلى دار القرار دار الثواب والعقاب في حاجة لتفريج الكرب ورفع المعاناة وحمل أثقال الفانية فالله يبشره بأبسط الأعمال يجتاز المرء بها عقبة السؤال العسير بما يلتزم من أداء دور فاعل يقوم به ليخفف عنه أعباء السنين الجدباء، وفقر العمل المتواصل لكسب الخير المدخر لقطع المسافة بين القبول والرفض، والعمل قد يتراءى لصاحبه انه السعادة وينتظر الجزاء، ولكنه في عين العناية الإلهية غير مقبول ويستحق صاحبه العقاب الآجل وقد يكون عاجلاً.

والصحابة رضوان الله عليهم كانوا حريصين على كسب الخير فلا يتركون سانحة إلا واستفادوا منها فكانوا يسألون عن كل صغيرة وكبيرة ويطلبون من النبي صلى الله عليه وسلّم  أن يدلهم على روافد الخير ليعملوه.

عن أبي امامة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم  فقلت : مرني بعمل يدخلني الجنة، قال:( عليك بالصوم فإنه لا عدل له ثم أتيته الثانية فقال: عليك بالصيام ). رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه .

ولأجل أن يشوقنا إلى العمل الصالح فنكثر منه قال:( إن للجنة باباً يقال له الريان، يُقال يوم القيامة : أين الصائمون؟ فإذا دخل آخرهم أُغلق ذلك الباب). رواه البخاري ومسلم.

إذن من هنا ينبغي أن نسارع إلى مغفرة من ربنا فنغسل ران القلوب بالإكثار من الإستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم  في ساحات العمل الجماعي كحلقات القرآن وإيقاظ النفوس بموعظة تلامس أرواحنا، وتنطلق بنا إلى الرحبة الطاهرة مهبط التنزيل فنروى من ذلك المعين. والصوم رمز عملي لضبط النفوس في دين الله ولذا كان من أركان هذا الدين حيث قال النبي صلى الله عليه وسلّم 🙁 بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج الى بيت الله الحرام ).

ولذلك كان طريقاً في سبل الوصول إلى التقوى.

قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ). البقرة (183).

ولعلنا نفهم من هذه الآية سر فريضة الصوم على كل الأديان الكبيرة في العالم، والمعلوم أن كل أمة ارسل فيها رسول ليصل من خلال الوحي المنزل من عند الله إلى قلوب من أرسل فيهم فأوصل دعوته ولكن قومه قد حرفوا ما جاء فأصبح الدين مسخاً لا يستساغ فنفر منه القوم إلى مادة امتلكت فيهم الروح. إن الصيام فريضة الله في كل دين انزله ودين الله في صيغته الأخيرة الخاتمة والناسخة لما سبق والمثبتة لقوله الحق عز وجل ( كتب عليكم الصيام ) وهو سهل لا قسوة فيه، ونافع لا ضرر يرجى منه، وصحة لا مرض فيه الأثر ( صوموا تصحوا ) له آثار طيبة على الحياة البشرية إجتماعياً وسلوكياً وعملياً، والصيام المفروض علينا شهر رمضان القمري وفيه معان جمة أولها نزول القرآن جملة إلى سماء الدنيا في ليلة عظيمة امتدحها الله، قال تعالى: ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ثم نزل منجماً على صاحب الرسالة محمد صلى الله عليه وسلّم.

وثانيها انتصارات الإسلام التي قلبت موازين القوة بدر الكبرى ثم الفتح العظيم .

ورمضان إثباته بالشهر القمري بالعلامة الكونية الكبيرة القمر في بدايته ونهايته، وهذا يحمل في طياته الوضوح والثبات والبعد عن التحريف والتزوير فلا تستطيع سلطة أو جماعة أن تزوره أو تحرفه على حسب أهوائها.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ). رواه البخاري.

وفي اختيار الشهر القمري حكم وذلك لأن السنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي عشرة أيام وعلى هذا ففي خلال ستة وثلاثين عاماً يكون الشخص قد صام كل أيام السنة يوما قصيراً أو طويلاً حاراً وبارداً وهنا يمكننا أن نسأل أنفسنا لماذا شهر رمضان بالذات؟ لماذا لم يترك الإختيار للإنسان؟ في ذلك حكمة، وهي إشعار المسلمين بالوحدة وتعويدهم على النظام والإنضباط والإستسلام لله، ومن فتح الباب لأعمال موحدة من الخير ينال كل مسلم فيها نصيبه لذا فإن كثيراً من الأئمة يرى إذا ثبتت الرؤية في بلد من البلدان فقد وجب على كل المسلمين الصوم لم يخالف في ذلك إلا الشافعية.

والصيام المفروض هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس
مع نية الصيام لله تعالى .

والمفطرات كل ما يدخل الجوف من طعام وشراب وغيرهما كالجماع والإنزال بسحاق
أو إستمناء باليد فإذا استطاع الصائم أن يحفظ نفسه من ذلك أكرمه الله بالجنة وفي الحديث ( من يضمن لي ما بين لحيته وفخذيه أضمن له الجنة ). ولا ينضبط الإنسان في الغالب بشيء كإنضباطه بالصوم ،
وأن الشبع الدائم للإنسان يجعل أعضاءه في كامل طاقتها ويجعل نفسه كذلك ومن هنا فإن لسانه ينطلق ، وقد لا يستطيع ضبطه وهو أداة التعبير عن مكنون النفس فشرود النفس عن طريق الله يترجمه اللسان ، وتمشيه الرجل، وتنفذه اليد، ويعكسه السلوك، فاضعاف النفس عن الشهوات كبح لجماحها والصوم المفروض حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب
ما فيه غاية سعادتها ونعيمها المقيم على الزائل في أرض الدنيا والتمتع بالحياة الأبدية ولتزكو النفس وتتطهر من رجس الشيطان ومجاريه التي تسري في النفس كما ينساب الماء في ثقوب الأرض وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها وهو وقاية من أكثر الشرور والنبي صلى الله عليه وسلّم  يقول : ( الصوم جنة ) . أخرجه البخاري . وأمر صلى الله عليه وسلّم  من إشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليها بالصيام وجعله وِجاء هذه الشهوة فهو إذن علاج لأمراض النفس والصوم الذي نعنيه ليس بصوم المواسم المادي لأكل
ما طاب واشتهت النفس وإنما الذي نريده صوم الروح وهو الإحساس بعظمة هذا الشهر والتعبد لله بأداء ما أوجبه على الإنسان المؤمن، والصوم لأنه شاق على النفوس وليس من مألوفاتها تأخر فرضه إلى ما بعد الهجرة بعد أن غرست العقيدة الصحيحة ومارست الصلاة الفعلية بكيفيتها الجديدة بعد الصعود الفضائي للنبي صلى الله عليه وسلّم  ليتلقى الجديد في التكاليف ويستقر الأمر على ما جاء به فكان في بدايته على التخيير بين ان يصوم أو يطعم ثم تحتم لكن إذا نام الصائم قبل أن يطعم حرّم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة وكان هذا شاقاً عليهم ثم نسخ ذلك بالرتبة الثالثة وهي ما استقر عليه الشرع إلى يوم القيامة.

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلّم الإكثار من العبادات في هذا الشهر بل ان الواصلين من الصالحين يتركون ما التزموا به من دروس في المساجد للتفرغ للعبادة والكسب الشخصي من قراءة قرآن وذكر الله وتأمل في هذا الكون المتطور يأخذون من إهتمام جبريل عليه السلام رسول الله وحامل الوحي بمدارسة القرآن للنبي صلى الله عليه وسلّم  وكان صلى الله عليه وسلّم  يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى أنه كان ليواصل فيه أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة، وكان كريماً فيه اكثر من الريح المرسلة.

ورمضان في الحقيقة مدرسة إذا أحسن المنتسبون إليها أدبهم فيها خرجوا منه وهم بشر جدد غير الذين كانوا بالأمس .. وإن لم يشعر الصائم بذلك فليراجع إيمانه فهو الذي يجدد عرى الإسلام وختم آية الإلزام بقوله 🙁 لعلكم تتقون ). إرشاد لسلوك الطريق المؤدي إلى التقوى وهو الصيام والأذكار فيه والدعاء وقراءة القرآن فما ينتهي هذا الشهر العظيم إلا وقد إمتلأ قلب المسلم نوراً وإيماناً فالمسلمون فيه تعمر مساجدهم بحلقات العلم والوعظ والتذكير فيتعلم من كان جاهلاً ويتعظ من كان سادراً في غيّه ويتذكر من كان غافلاً، وهو شهر الصبر الذي يعيشه المسلمون في أقطار الدنيا كلها.

والصيام قسمان : فرض وهو صوم رمضان وصوم الكفارات وصوم النذر.

والثاني هو صوم التطوع كصوم ستة أيام من شوال وصوم عشر ذي الحجة ويوم عرفة لغير الحاج وصيام المحرم وعاشوراء ويوماً قبلها ويوماً بعدها وصيام يومي الإثنين والخميس والثلاثة البيض .

وللصيام  ركنان :

1/ الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

2/ النية لقوله صلى الله عليه وسلّم 🙁 إنما الأعمال بالنيات ).

ويجب على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم، والنقاء من دم الحيض والنفاس، ويرخص بالفطر للشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه وأصحاب الأعمال الشاقة الذين لا يجدون متسعاً من الرزق، ويجوز الفطر في السفر والصوم أفضل وعلى هؤلاء جميعاً أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً إلا المسافر فإنه يقضي .

وكذلك الحبلى المرضع إذا خافتا على أنفسهما وأولادهما أفطرتا وعليهما الفدية ولا قضاء عليهما عند إبن عمر وإبن عباس.

والنبي صلى الله عليه وسلّم ينبهنا ويحذرنا في نفس الوقت ويقول 🙁 رب صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ). وكثيراً من الناس كذلك حيث أنهم صيام ويأكلون لحوم البشر ويمتصون دماءهم بالحديث في أعراضهم وذواتهم ولا يتذكرون بانهم في عبادة ومع الله، هذا هو واقع المسلمين الآن ولكن كيف نستفيد من أخطائنا فنجعل هذا الشهر سياحة روحية مع الله الذي تعبدنا بذلك.

والصوم فرصة لأصحاب الوزن الزائد لتخفيض وزنهم ولأن زيادة الوزن تجلب الأسقام والأمراض، واما أصحاب العادات الضارة كالمدخنين وأصحاب المخدرات فهو سانحة للتخلص من هذه العادات الضارة، ولكن مما يؤسف له أن هؤلاء عندما يودع الشهر ويغادر يرجع إلى عادته وبشراهة ولا يستطيع أن يصبر كصبره في رمضان والله المستعان .

عثمان عبدالرازق بله