بيان للناس

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : { هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ } [آل عمران : 138]

قال صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) .

الحمد لله مالك الملك ذي الجلال والإكرام القائل في محكم كتابه : { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران : 81] والصلاة ولاسلام على خير الأنام القائل (العاقل من عقل عن الله أمره وصبر على بلوى زمانه) [رواه البيهقي في شعب الإيمان 7/4359] .

أما بعد ..

فتحييكم الأمانة العامة لهيئة علماء السودان بتحية الإسلام الخالدة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وندعو الله تعالى أن يجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، في هذه الظروف العصيبة التي يستشري فيها الغلاء والأزمات الاقتصادية ويكثر البلاء بالمشكلات الاجتماعية والسياسية { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم : 41] .

في هذا البيان تود هيئة علماء السودان أن توضح للكافة الراعي والرعية أن الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا –كما يمر بها عدد كبير من البلاد- لم تأتِ فجأة وإنما جاءت نتيجة عوامل عديدة المسئولية فيها تقع على الجميع بدرجات متفاوتة فتأتي في المقدمة مسئولية الرعاة كما هو معلوم في الحديث المشهور (وكلكم راعٍٍ وكلكم مسئول عن رعيته) .

ونحب أن نجمل هذه العوامل التي أدت إلى الأزمة في ما يلي :

العامل الأول : في تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلادنا عدم المجاهدة الكاملة في بسط أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة في واقع الحياة في الجوانب المشار إليها أعلاه تقنيناًُ وإنفاذاً وتوجيهاً كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية : 18] ألا ترون أن الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً} [الفرقان : 52] والكافرون الذين يعطلون المسيرة كما هو معلوم أصناف منهم المشركون والمنافقون واليهود وغيرهم من أهل الكتاب والوثنيون والملحدون، وقد ظهر عداءهم أجمعين لدولة السودان منذ أمد من الزمان !! بعضهم في الداخل وجلهم في الخارج وما صنع أزمة شد الأطراف ببعيدة .

العامل الثاني : الدعة والركون لأمر الدنيا بعد مسيرة حافلة بالبذل والفداء والعطاء وقد حذر المصطفى صلى الله عليه وسلم من الركون للدنيا والتوسع في مغانمها ومتعها وقد أقسم –عليه صلوات ربي وسلامه قائلاً- والله ما أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من سبقكم فتهلككم كما أهلكتهم .

العامل الثالث : عدم التدقيق فيمن يولى الوظيفة العامة ولا سيما بعد توسع وتمدد هيكل الدولة مركزياً وولائياً ومحلياً مما أوجد جيشاً ممن تولوا الوظيفة القيادية العامة وهم دون شرط القوة والأمانة المقرر قرآنياً { … القوي الأمين } ثم عدم التقيد بالتوجيه النبوي (إنا لا نولي هذا الأمر من يطلبه) هذا الجيش من القادة شكّل عبئاً مالياً على الدولة –باعتراف الجميع- كما عجز الكثيرون منهم عن أداء الأمانة كما يتطلبها الموقف تحريكاً للإنتاج وضبطاً للصرف وبسطاً للخدمات وأداء للحقوق والواجبات، ونطمع أن يفي السيد الرئيس بوعده بتقليص هيكل الدولة هذا المتمدد .

العامل الرابع : عدم حسم الحديث عن الفساد بما يتطلبه الموقف من تحقيق وتدقيق ومساءلة ولقد كان السلف يأخذون في هذه القضية بالشبهات وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقاسم الولاة والعمال شطر دخلهم الذي كسبوه أثناء تقلد الوظيفة العامة ويفعل كذلك ببعض أهل بيته إذا كسبوا مالاً أثناء ولايته هو .

العامل الخامس : تضييق دائرة الشورى في الأمور المهمة التي تعم بها البلوى لا سيما في ما يخص أرزاق الناس ومعاشهم وما حدث في السياسات النقدية والسياسات الاقتصادية كان ينبغي أن توسع فيه دائرة الشورى وأخذ آراء الفقهاء والخبراء إحكاماً لدائرة صنع القرار قبل إتخاذه .

العامل السادس : تضارب التصريحات وإضطراب السياسات بما يربك الساحة ويضعف من هيبة الدولة ومثاله إستبداد بعض الوزراء والولاة وبعض المسئولين بالرأي والإفتئات أحياناً على رئاسة الدولة ذاتها، فلا ينبغي أن يتكرر هذا ولا ينبغي إصدار قرار أو تصريح أو وعد لا ينفذ ونذكّر بقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ …} [المائدة : 1] .

المعالجات :

أولاً : في مجال التصريحات المشار إليها أعلاه لابد من ضبط الإعلام ضبطاً قوياً حتى لا يفتعل التصريحات أو يروّج للشائعات، وإذا كان هذا قبيحاً في الإعلام الخاص فهو أشد قبحاً في الإعلام الذي تموله الدولة أو تساعد في تمويله، صحافة كان أو قنوات .

ثانياً : بسط الخدمات الحيوية في الصحة والتعليم ومقاومة ضغوط سياسات البنك الدولي وصندوق النقد في خصخصة هذه الخدمات حتى لا يحصد المواطنون السراب ويحصد المستثمرون الذهب .

ثالثاً : كما يجب رفع الحد الأدنى للأجور ليوائم غول الغلاء يجب أيضاً تحديد حد أعلى للأجور والحوافز على كافة المناصب القيادية والدستورية والإدارية في القطاع العام وقطاع المصارف بل والقطاع الخاص لأن المال مال الله تعالى { … وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء : 5] وذلك حتى لا يكون المنصب الدستوري مغنماً يتصارع عليه الطامعون .

رابعاً : مع إتفاق الجميع على تقليص هيكل الحكومة الذي جاء نتيجة للمجاملات والمصانعات لا ينبغي أن تستمر هذه السياسة اعتماداً على ما ذكرنا في الفقرة الثالثة أعلاه وأن يضيق في مصانعة النساء في الوزارات ولا سيما الوزارات المتصلة بالدين والدعوة إليه والشأن الاجتماعي المتصل بذلك .

خامساً : يؤمن الجميع بأن الربا جريمة يحارب الله تعالى متعاطيها فرداً كان أو جماعة أو دولة ولذا ندعو أن يسد هذا الباب وأن تكون هناك هيئة عليا لمراقبة سلوك الدولة والمجتمع تتكون من العلماء والخبراء والوزراء .

سادساً : مخبر الدولة ومظهرها لابد أن يتوافقا مع المرجعية الإسلامية والتوجيهات الربانية فقد نرى ترخصاً في مسألة الثقافة والفنون وصرفاً بذخياً عليهما في الوقت الذي يضيق فيه على أجهزة الدعوة وهياكلها الرسمية وغير الرسمية وحسبكم مهرجانات الخرطوم والجزيرة والسودان وأم درمان وفيها ما يخالف المظهر الإسلامي ويجلب غضب الله تعالى .

سابعاً : ضبط حركة الأسواق والشارع العام جوهراً ومظهراً، في الجوهر لا زال جشع التجار وأغنياء الحروب والأزمات هو السائد، ولا يزال مظهر الأسواق بائس وقذر تضرب فيه الفوضى أطنابها، لا رقابة إدارية ولا نظافة فعلية ولا حكومة محلية، اللهم لا تجد إلا الجبايات والمكوس المحرمة شرعاً بل والاحتكار الملعون فاعله كما جاء في الحديث الشريف (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) عمر هذا العهد الإنقاذي قريب من ربع قرن ولا زال مظهر أسواقنا كما كان من قبل أو دون ذلك .

سيادة الرئيس ..

أمر ضبط الدولة هو مسئوليتك المباشرة وفي يديك، ومعك في هذا الجهاز التنفيذي والقضائي والتشريعي والعدلي فامض لما أمرك الله تعالى { … خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ..} [مريم : 12] { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف : 199] .

أولاً : يتمثل ذلك في ضبط الإيرادات وجعلها داخل ماعون الدولة وتأكيد وزارة المالية عليها .

ثانياً : محاربة ما يسمى بالتجنيب للإيرادات بأي عذر كان وسن القوانين الرادعة للمخالفين .

ثالثاً : تقديم المتهمين بالفساد للتحقيق ثم المحاكمة الفورية حتى يتبين المفسد من البرئ .

إلى جماهير شعبنا الأبية ..

هذا النصح السابق موجه لقادة الدولة ونسأل الله تعالى أن يجد نصحنا آذاناً صاغية وقلوباً واعية .

وأما أنتم فنقول لكم :

أولاً : الإستمساك بهدي القرآن الكريم والسنة المطهرة وجعلها العرى الوثيقة التي تشد أمر المؤمنين وتجعلهم كالبنيان المرصوص .

ثانياً : البناء والعمل الدائب لمضاعفة الإنتاج في كل حقوله الزراعية والصناعية والخدمية حتى يساهم الجميع في رفع هذا الغلاء وتخطي مكائد الأعداء الذين سعوا إلى الإنهيار الاقتصادي للشعب والدولة.

ثالثاً : إذا لزم التعبير عن الرأي بالوسائل المختلفة فلتكن سلمية بعيدة عن التخريب والتعدي على حقوق الآخرين وممتلكات الدولة فإن القاعدة الشرعية “لا ضرر ولا ضرار” .

رابعاً : عدم الإصغاء لدوائر الأعداء الذين لا يريدون خيراً لبلادنا ولا ديننا وليكن شعارنا الإصلاح ما استطعنا إلى ذلك سبيلا وليكن منطلقنا الآية الكريمة { … إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88] } .

خامساً : على الآباء والأمهات إحسان تربية الأبناء والبنات حتى يقربوهم من الخير والتقوى ويبعدوهم عن الشر والإثم والفجور وأن يلاحظوا مطهرهم العام الذي أصبح في بعض الحالات مسوداً للوجوه وخصماً على سمعة بلادنا .

 { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة : 286] .

الأمانة العامة

لهيئة علماء السودان

5/شعبان 1433هـ

25/6/2012م