معني لا اله الا الله

بسم الله الرحمن الرحيم

” معنى لا إله إلا الله “

أرسل الله سبحانه محمداً صلوات الله وسلامه عليه في أمة كانت تعبد الأحجار أصناماً تتقرب بها إلى الله ، في نظرها أنها بتنفع وتضر ، والعقل حقيقة لا يهدي ضالاً ، ولا يرشد
إلى صواب فهو يحتاج إلى قوة تدله على الخير فيفعله ، أو تنهاه عن الشر فيجتنبه ، وهذا لم يهتد إليه أهل الجاهلية مع أنهم كانوا يتصفون بأصحاب الحجي أي العقول وهذا ليس في أمة العرب فقط بل العالم كله كان يخوض في وحل الغفلة عن الله إلا أدياناً من هنا وهناك وتختصر على قبيلة أو جماعة مسلوبة منها صفة الشمون ، ولعل الله جعلها هكذا ليدخر العموم إلى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فكان المرسل منها إلا أنه عام برسالته ودينه ناسخ لشرعتهم إلا ما كان صالحاً ، وموافقاً لما جاء به .

فكان بعد التكليف ، والأمر بالجهر بالدعوة بعد السرية التي دعاها واقع الحال ، والتدرج في العرض على الأفراد والجماعات حتى يقوى العود ، ويتحمل أثقال المعاندين ، وأهل الهوى حتى شرذمة قريش ، وكان المطلوب في كل ذلك الاعتقاد بوجدانية الله وعبادته . والكفر بما عداه من أنس وجن . ولكن كلمة التوحيد التي هي “لا إله إلا الله محمد رسول الله” وجدت معاندة منهم ومعارضة قال تعالى : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا } البقرة 170 .

“ومعنى لا إله إلا الله” نفي كل شرك في أي نوع كان من أنواع العبادة وتثبت العبادة بجميع أفرادها لله تعالى ، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب بالمحبة وغيرها من أنواع العبادة “فلا إله إلا الله” نفت ذلك كله عن غير الله ، وأنتبتته لله وحده .

قال العلامة ابن القيم رحمه الله : فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه أي مع الله تعالى بعبادته له ، وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له – وليس لقلب المؤمن صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما ، وأن تكون محبته بعد الله تابعة لمحبة الله تعالى فلا يحب إلا الله ، ولا يحب إلا لله كما جاء في الحديث “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما” الحديث .

وشهادة أن لا إله إلا الله لا تنفع قائلها ولا تنجيه يوم العرض الأكبر إلا باجتماع سبعة شروط :

أولاً : العلم المنافي للجهل وفي خبر معاذ عندما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال : له “فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله – وفي رواية إلى أن يوحدوا الله – فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ..إلخ!! فهذا
الانتقال والتدرج لا يحصل إلا بعد العلم بالمطلوب أولاً ثم الاعتقاد وثانياً فالعلم هو أساس المعرفة ثانيها : اليقين المنافي للشك ثالثها : القبول المنافي للرد رابعها : الانقياد المنافي للترك
خامسها : الإخلاص المنافي للشرك سادسها : الصدق المنافي للكذب سابعها : المحبة المنافية لضدها “ولا إله إلا الله” هي الركن الأول ، والأكبر في هذا الدين لذلك في الحديث كانت البداية
بها “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله” إلخ

والسبب في صدارة هذه الكلمة أن المخاطبين بالقرآن من الجاهليين لا بد من تزكير كلمة التوحيد في عقولهم ثم بعد ذلك يخاطبون بما كلفوا به ، وهو من تمام الكلمة . ولا عجب أن تكون قضية لا إله إلا الله هي القضية الأساسية التي يبنى عليها بقية أركان هذا الدين .

فالله سبحانه حقيق بأن تفرد له العبودية لأنه هو المتفرد بالألوهية والربوبية وهو في نفس الوقت غني عن العباد .

يقول الله في الحديث القدسي الطويل : “يا عبادي ، لو أن مؤمنكم وكافركم بركم وفاجركم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً ، ولو أن مؤمنكم وكافركم بركم وفاجركم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً” .

ويقول تعالى : { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد } إبراهيم 8 .

أما المخلوق فإنه لا يستغني عن الخالق لحظة فهو في حاجة إليه تعالى : { يا أيها الناس اذكروا نمعمة الله عليكم ، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ؟ لا إله إلا هو
فأنى تؤفكون
} فاطر 3 .

فالإنسان بين أمرين إما أن يكون عابداً لله أو لغيره معه أو يفرد المخلوق بالعبادة
وكلاهما سواء مما يسميه الله سبحانه عبادة الشيطان ، وذلك لأن المخلوق استجاب
لتضليل الشيطان قال تعالى : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين
وأن أعبدوني ، هذا صراط مستقيم
} يس 60 – 61 .

والإنسان دائماً يحتاج إلى كلمة “لا إله إلا الله” يحتاج إليها وهو يكفر بالله أو مشرك ليصحح أصل اعتقاده ، ويحتاج إليها وهو مسلم ليتنبه ويحذر العواقب ، ويضيق بها في نفسه مداخل الشيطان لكي لا يفتنه عن دينه ويبعده عن عبادة الله . ولهذه الكلمة مهمة تؤديها في حياة الجيل الأول – رضوان الله عليهم – ولقد رفضها العرب المشركون آنذاك وصارعوا الدعوة إليها ذلك أن لا إله إلا الله هي دعوة الرسل جميعاً صلوات وسلامه عليهم من لدن آدم ونوح إلى محمد – صلى الله عليه وسلم ولقد رفضوها . إذن ما سبب الرفض ؟

قال تعالى : { ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبد إلا الله } هود 25-26 .

وقال جل شأنه : { وإلى عاد أخاهم هوداً قال : يا قوم اعبدوا الله مالكم
من إله غيره
} هود 50-53 .

وقال سبحانه : { وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم
من الأرض واستعمركم فيها
} هو 61-62 .

وقال تعالى : { وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } هو 84-87 .

كل الجاهليات وقفت ضد هذه الكلمة ، ولكن ما السر في رفض جاهلية العرب ؟ أمن أجل الكلمة ؟ أم من أجل مدلولها ومغتضاها ؟ ولقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من لمحة أن يقول هذه الكلمة ، قال له : قلها يا عم كلمة اشفع لك بها عند الله ! وهل كان يتصور النبي صلى الله عليه وسلم أن ، يرفض أبو طالب كانت مجرد كلمة ؟ أبداً ، إنه رفضها لأنه يترتب عليها تغيير سلوكي وأخلاقي ، واعتقاد عقلي وتحليل لما أحله الله وتحريم لما حرمه ، وتوجيه العبادة إلى الله ، وخلع الأنداد ، وهذا مايجعلهم يرفضون لأنه : يمس فيهم عادات فاسدة واعتقادات باطلة ، قال تعالى : { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ، وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ، أجعل الآلهة إلهاً واحداً ؟ ! إن هذا لشئ عجاب } ص  4-5 .

ويقول جل شأنه : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } لقمان 21 .

هذه هي كلمة التوحيد التي غيرت نمط الحياة آنذاك ووقفت الجاهلية العربية قديماً في وجهها ، وهي الآن كذلك تعاني من شرور جاهلية هذا الزمان .

ونفس المرض لأن الكلمة يترتب عليها إصلاح النفوس وهي خربة ، وتطهير القلب ، وهو يعاني من ران السنين ونظافة الشارع والمدرسة والمنزل والجامعة ، وجاهلية هذا الزمان لا يعجبها ذلك بل تحاربه بكل أسلحتها صحفاً ومجلات ، وإذاعات وتلفاز .

في تلك الجاهلية كان العناد والصد بالكلمة القاصرة على المنطقة والحدود ، ولكن اليوم لقد بلغ الأمر ما تعجز النفس عن وصفه تحارب هذه الكلمة من على بعد الآلاف من الكيلوهات وبوسائل واساليب خطيرة ومتجددة .

هكذا الحال ، وقضية الشرك واحدة قديماً وحديثاً قال تعالى : { وقالوا أءذا ضللنا في الأرض أءنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون } السجدة 10 . خذ هذه الآية وانظر إلى الواقع الحياتي
ألا تراهم يقولون الدنيا ضحك ولعب والآخرة كوم تراب ! أي نهاية المطاف فلا عودة
مرة أخرى واستفد من وجودك الآن لكن الله سبحانه يكذب ذلك ويقرر في صورة استفهام
إنكاري بقوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجمعون } البقرة 28.

وقال جل شأنه : يصور حالهم وانكارهم { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا
وما نحن بمبعوثين
} المؤمنون 37 .

لا تصح عبادة يتعبد بها الإنسان إلا بصحة العقيدة “الإيمان بالله وتوحيده والكفر بالطاغوت” سلم الله الجميع من الإشراك وهداهم لتصحيح الاعتقاد .

والله الموفق

عثمان عبد الرازق بله